تسعى المقالة هذه الى النظر في حالة مدينة النبطية الفريدة، والدمار الذي حل فيها نتيجة العدوان الاسرائيلي الأخير، مع تفنيد نمط العمارة الهوسماني "بمنيحه وقبيحه"، مع عرض نقض هذا النمط والبدائل العملية لإتمام عملية اعادة الإعمار.
- "المنيح والقبيح":
- المنيح:
عمل "جورج أوجين هوسمان" Georges Eugene Haussmann على تحديد سياسات عمرانية في العاصمة الفرنسية "باريس" خلال القرن التاسع عشر، بتوصية الامبراطور نابليون الثالث، حيث عمل على تحديث المدينة عبر تصميم شوارع واسعة (Boulevard او البوليفارد)، تطوير شبكات الصرف الصحي، الإنارة، واجهات حجريّة جديدة، الخ. كان الهدف المعلن من هذه الخطى المتخذة فرض مظاهر النظام على فوضى المدينة "العضوية" الوسطية، بالإضافة لتسهيل حركة مرور البضائع وسلاسل التوريد الأساسية من وإلى المدينة. أنتجت تلك الخطوات هوية بصرية موحدة، وضعت باريس في موقع من التألّق العمراني الذي ما زال يبهر العالم ليومنا هذا.
ما زال هوسمان قابض على أجمل أحلام المخططين العمرانيين ودعاة النظام والاستقرار وما شابه من هذه المعاني؛ الترتيب والازدهار والنظافة والرصانة وغيرها. ولا تتفاجؤوا يوماً اذا جاء أحد كبار المتعهدين من أي خلفية سياسية-طائفية لبنانية أو اجنبية، حمل "قميص عثمان" هذا ومشى فيه منادياً في أزقة المناقصات والمشاريع الفضفاضة الشبيهة ب"سوليدير" و"مدن أوروبا المرتبة".
لكن، والحق يقال، بعض جهود "هوسمان" أثمرت نتائج رغيدة، أهمها سهولة تموين المدينة والتحكم بأسعار موادها ولاحقاً اقتصادها، ثمحرية العمل وحركة قوى العمل المنتجة، ومراكمة رأس المال في خدمة سير التاريخ المادي وحماية جهاز الدولة ككل من عصف الثورات والاضطرابات الشعبية التي غزت أوروبا في وقتها (ربيع الشعوب)، وبعض المكاسب الصحية كالقضاء على جائحة الكوليرا إثر تطوير شبكات الصرف الصحي والتخفيف من الاكتظاظ.
- القبيح:
وبذلك نتناول الهدف الفعلي للبوليفارد: القمع. سهّلت الشوارع العريضة المذكورة أعلاه حركة المدفعية وسلاح الخيالة من وإلى الأحياء الشعبية، حيث امتدت الشوارع الأساسية و"المصلبيّات" من الثكنات العسكرية مباشرة الى تجمعات الطبقة العاملة "المخرّبة" في وسط المدينة، في تعبير صريح عن طبيعة التخطيط العمراني في خدمة المستبد، بهدف قمع أي انتفاضة شعبية حالية او مستقبلية. في الأمر بعض من غرض أن العمران ليس مهمة التقنيين وحسب، بل يحتاج لتوجيه سياسي أيضاً، ويمكن اعتبار ان المدن الحديثة في معظم الأحيان تُصمم بغية قمع الناس أولاً لا خدمتهم.
يتقدم الى واجهة المعارضة المفكر الفرنسي "هنري لوفيفر" Henri Lefebvre، الذي يدعي ان الحداثة الرأسمالية تنتج "فضاءً مجرداً" بدلاً من الفضاء الحي، مهمته فصل الفاعلين (أي سكان المساحة العمرانية) عن عالمهم الملموس، ويفرض عليهم التماثل والتجزءة في آن. ففي فعل هوسمان جهد واضح يدفع بالمساحة الحضرية نحو هذا التماثل الذي يمحو الخصوصيات والتمايزات المكانية التي تشكلت عبر قرون من التفاعل الاجتماعي. وفي فهم صلب ل"رأس المال" لكاتبه "اليهودي العظيم" ماركس، يرى لوفيفر ان المدينة تحولت من عمل فني جماعي ينتج القيمة الاستعمالية، الى سلعة تخضع لقوانين السوق، تستنبط وجودها من قيمتها التبادلية. فيمكننا ان نرى بوضوح ان مشروع هوسمان لباريس كان في جوهره مشروعاً عقارياً ضخماً، حوّل الأرض من فضاء للحياة الى سلعة تدر ربحاً، وطَرَد شغّيلة المدينة الى ضواحيها شيئاً فشيئ، تارةً بقوة السلاح وطوراً بالضغوط الإقصائية الاجتماعية. وعليه، فيؤكد لوفيفر أيضاً على "الحق في المركز" كحق للمواطنين في استخدام الفضاءات المركزية للمساحات الحضرية، والعيش فيها والمشاركة في تشكيلها وصناعة قرارها وانتاجها، وسعى هوسمان بالضبط الى عكس هذه الآية عبر تحويل مركز المدينة الى حكر على النخب ورأس المال.
وقد واجه لوفيفر هوسمان فكرياً في دراسة ظاهرة تسييس الفضاء: فالفضاء او المساحة، حسب لوفيفر، ليس مجرد موقع جغرافي او سلعة، بل هو أداة سياسية وجزء من علاقات الانتاج والملكية. لا بل، يمكن القول بحزم أن المساحة هي الحجر الديناميكي الأساس في دراسة الفكر، وتموضعه في عملية الانتاج اليومي لحياة الانسان.
- النبطية تتحدى الجلّاد و"هوسمان":
- الذاكرة في عين الناجين:
شنّت العصابات الصهيونية حرباً شعواء على جنوب لبنان، الضاحية والبقاع، وكان لمدينة النبطية حصة الأسد من العنف الاسرائيلي. يظهر الرسم أعلاه بعض الاحصاءات التقديرية عن الأضرار العمرانية في المدينة (اعتباراً من التاسع من حزيران من العام 2026)، وفي نظرة سريعة، تقدّر الخسائر بما يقارب ال250 مليون دولاراً امريكياً، مع انتشار الدمار على درجات تتراوح بين المعتدل، الحاد والكليّ. كان استهداف البنى التحتية المدنية والخدماتية الممنهج واضحاً، وتذرع الاحتلال بالأهداف المشروعة عقب حملات الإبادة الإعلامية التي سبقت كمبررات لحملة الإبادية البشرية والحضرية (Urbicide). تقع في ذمة ماكينة القتل العبرانية ما يقارب ال600 وحدة سكنية في النبطية وحدها، ضمنها ما يقارب 100 متجر تجاري. وبالرغم من الدمار العظيم غير المسبوق الذي لحق بالمدينة، عاد اليها أهلها، ليس من أجل غياب البدائل العملية وحسب (نتيجة غياب أي خطط إغاثية وإيوائية، وسط الفشل الحكومي الذريع لإدارة الكارثة)[1]، بل من أجل التمسّك بذاكرتهم وهويتهم، كلٌّ يتفقد منزله، رزقه، يقيّم أضراره ويحتمي في ذكرياته المدفونة تحت الردم.
- هوسمان والمدينة الجريحة:
"لا يختفي أي فضاء تماماً دون أن يترك أثراً... ما جاء سابقاً يستمر في دعم ما يليه"
– هنري لوفيفر
لسنا لوحةً بيضاء؛ على عكس الإحباط الشائع اثر مشاهدة دمار النبطية، فلم تُدك المدينة وتُمحى عن بكرة أبيها، لا بل رُسِمَت عليها وصمات العدوان الهمجي الرامي الى إبادة شعبها وهمّته العالية، والهدف هو أن يقتصّ المجرم ثأر ما ذاقه من لوعات أثناء احتلاله لها فيما مضى، ما يعص عليه اليوم. فمن الواضح ألّا مكان لهوسمان في النبطية ولا في مستقبلها، ومنه الحديث المشاعري المذكور عن صمودها من جهة، ومن جهة أخرى، حيث يكون واقع الديالكتيك البشع، على عكس باريس المدينة الضخمة التي بُنيَت فوق عظام نفسها باستخدام قدرات أعتى القوى الاستعمارية، ليست النبطية الا بقعة الأمان المتوسطة الحجم في احسن الأحوال، تقتات وتعتاش على قدراتها الاقتصادية الهشّة جداً، لا قدرة فيها على الانطلاق في مسار العمران الحديث والGentrification بعد.
ووفقاً للوفيفر، فالنموذج الهوسماني ينتج فضاءً مجرداً كما سبق وذكرنا، ويخلق تماثلاً مكانياً يمحو الخصوصيات التاريخية والاجتماعية الموجودة، والذي لا يشبه المدينة ولا أهلها البتة؛ حِمل الذاكرة والعلاقات الاجتماعية المترجمة في أزقة النبطية وأسواقها القديمة، وبيوتها المتلاصقة، سيصعب استبداله ببعض الجادات العريضة، ال"كومباوند" السكني وال"Iced Latte".
أما في دعوى إظهار الحق وإزهاق الباطل، قد يكون لتخطيط هوسمان بعض الحسنات التي يجدر علينا الأخذ بها: ففكرة تسهيل مرور السلاح والمؤن قد تفيد مدينة كالنبطية، ففي سلاسل التوريد هذه منفعة ظاهرة تُبنى عبرها قدرة المدينة على تحمل الحصار وتأمين حرية حركة المقاوم من جهة[2]، لا تنتج جماعة من الناس تحلم بمقاتلة العدو كندّ وتحسين وضعها الطائفي وحسب، بل مجتمع رصين يشاء ويقدر على بناء وطن يرقى لتضحياته. تباعاً، يظهر بشكل واضح الضرورة لتكريس حق السكان في انتاج فضاءاتهم، حيث ان اي عملية اعمار مفروضة من الأعلى دون مشاركة أهل المدينة ليست إلا اعادة انتاج للهيمنة، وبمعنى أوضح، اعادة انتاج للهزيمة.
- البديل:
بعد استعراض الموضوعات المتعلقة بهذه العملية التي نتمنى ان تنقل صورة تعقيد المرحلة المقبلة، ليس من المنصف ان نكتفي بالنقض وحسب؛ بالأحرى، ومن باب تصور وتخيل مدينتنا، مساحاتنا وفضائنا، علينا ان نتجرأ بابتكار الحلول والبدائل. علينا، مثلاً، النظر جدياً في علاقة المدينة بأهلها المقيمين في البلد والمهجر. المعنى أن علينا البحث في أحد اهم الموارد المالية في المجتمع: حوالات المغتربين النقدية. يمكن استعمال هذه الحوالات غي عملية اعادة الاعمار عبر تحديد الوزن الكمي للكتلة النقدية المتدفقة نحو لبنان عامة والاستهلاك/الادخار الوطني خاصة. فيمكن وضع بعض الآليات المالية ضمن أنظمة رقابية شعبية تُحَقَّق عبر استعمال الذكاء الاصطناعي، عملها يقتصر على جمع نسبٍ تُحدد عبر الدراسات الاقتصادية والاجتماعية من مجموع كتلة الحوالات المذكورة أعلاه، وتُحوَّل نحو المشاريع الإعمارية الأكثر انتاجية، بما يضمن توزيع المسؤوليات على المتعهدين لتجنب الاحتكارات او انعدام الكفاءة، وتكريس مبدأ المحاسبة الشعبية من جهة والثقة من جهة أخرى، بالإضافة لتمكين المشاريع من اتمام مهمة اعادة الإعمار حسب المعايير الاجتماعية المتخيَّلة وضمن مهل زمنية واقعية ومعقولة. وهذا المشروع ليس إلا مبادرة في بحر المبادرات التي وجب علينا مناقشتها وتنميتها فدر المستطاع، درءً لأي مستغِلّ او محتكر، ومنعاً لاعادة انتاج أي هزيمة او تسلّط.
- ختاماً: نحن، التائهون
"تغيير المجتمع! هذه الشعارات لا تعني شيئاً دون انتاج فضاء مناسب"
– هنري لوفيفر
ليس سؤال "أين ننمو؟" حكر على التقنيين والمخططين، بل وجب لحلّه وضع رؤية سياسية-اقتصادية-اجتماعية واضحة، ومنها وجهة اقتصاد سياسي جديد للبلد ككل، ينطلق من خراب بيوتنا وذكرياتنا، عصياً على التفتيت والتقسيم والاحتلال. يحمل في كنفه أمل ببناء المستقبل العضوي، ولو حرفياً. ان النموذج الهوسماني، بكل ما فيه من بهاء ظاهري، يحمل في طياته مشروعاً قمعياً حول المدينة، كما يرى لوفيفر، الى سلعة، ومن فضاء حي الى فضاء مجرد.
ان النبطية اليوم كغيرها من مدن الجنوب، أمام خيار مصيري: إما ان نسلّم أمر اعادة بناء حياتنا للدُّرك الأعلى من المجتمع، فتصبح المدينة تحفة معمارية باردة تنسى أهلها، او ان تُبنى بثمار عمل أهلها، مع أهلها ولأجلهم، فتصبح مدينة تنمو، لا مجرد مدينة تُعمَّر. ليس الإحباط قدراً، كما ليس البديل حلماً، بل هو خيار سياسي واضح، فالمدينة الحقيقية لا تبنى بالباطون المسلح وحده، بل بالمشاركة والعدالة والحق في ان يكون لنا كلمة في انتاج فضاءاتنا. وحين نعيد بناء النبطية، فلنبنيها لننمو ونبقى فيها، لا لننزح منها مرة أخرى.
[1] وفي سياق هذا النص تجدر الإشارة الى بلبلة مخيم البيال والنقاشات اللاحقة عن المساحات العامة وأهداف استعمالاتها
[2] راجع في الفن العمراني: "القنطرة"؛ يتحرك المقاتلون تحت القناطر المدموجة بالنسيج السكاني للمدينة خلال الحملات الصليبية، في الحصارات خصيصاً، وذلك للاحتماء من المقذوفات ونيران المدفعية. العبرة ليست اعتماد الأسلوب العتيق بعينه، بل بانتشار الروح الفنية العملية المقاومة ذاتها في اي انتاج حضري مستقبلي، سيما عملية اعادة الإعمار