عن ذكرى النكبة...

استجابةً لطلبِ جمعٍ من الأصدقاء، والشبيبة منهم بخاصة، ودون أن "يفرضوا موضوعاً معيّناً، ومن غير تردّد ولا احتراس"، عرض الشهيد حسين مروة في حديثٍ أمامهم "قضية معينة " هي بالنسبة إليه وإلى الأصدقاء "الحافز لهذا الجمع، الذي لولاه لما كان هذا اللقاء ولما كان الحديث" (2)

أيها الأصدقاء: أصدقاء النضال التّحرّري العربي !..

نحن نعيش، هذه الأيام، في مرحلةٍ من نضالنا لا مهرب من أن نسميها مرحلة الخامس من حزيران، وهي تفرض علينا نوعاً من التفكير، ونوعاً من الحركة، ونوعاً من العلاقات الكفاحية بين مختلف الفرقاء في حومة النضال، لا مهرب لنا أيضاً من الاستجابة لمقتضياته، وإلاّ كنّا كمن يفكّر، ويتحرك في متاهة من التجريد خارج الزمن والمكان، وخارج المعركة ذاتها التي نعيش فيها ولها.. وكنا كذلك كمن يتشبّث بعلاقات منفصلة عن أرض الحياة والتاريخ والمعركة...
فما حدود هذه المرحلة.. وما الملامح التي تميّزها عن سائر مراحل الثورة العربية التحررية.. وما نوع التفكير والحركة والعلاقات الكفاحية التي تفرضها هذه المرحلة؟..
صحيح أننا اليومَ، وهو اليومُ، الخامسَ عشرَ من أيار، يكاد يستقطبُ تفكيرَنا ومشاعرَنا همٌّ واحد: همُّ الذكرى التي هي، بدورها، تستقطب شؤون القضية كلَّها. ولكنَّ طبيعة الذكرى نفسِها ينبغي أن تضعنا في مرحلة الخامس من حزيران، لا في مرحلة الخامس عشر من أيار.. لأننا نعيش اليوم في مضاعفات النكبة، أكثرَ من كوننا نعيش آلام النكبة الأساس.. وهذا يعني أنه ينبغي لنا، لكي نعالج النكبة نفسَها أن نعالجَ - أولاً- مضاعفاتِها بتوكيدٍ أكثر فأكثر، وأن نَنْفَذَ، عبر المضاعفات هذه، إلى جوهر القضية، ثم إلى الآفاق التي تنتظر منّا القضيةُ أن نشقَّ نحوها الطريقَ السّديدَ الواضحَ، بأقصى ما نملك من طاقات المبادرة، على هدى من استراتيجية سديدة واضحة يرافقها تكتيك سديد واضح كذلك.
إننا الآن حيث تضعنا مرحلة ما بعد الخامس من حزيران، كما قلت.. ولكن، ليس لنا غنى عن أن نسترجع في ذاكرتنا ملامح المرحلة السابقة، مرحلة ما بعد الخامس عشر من أيار، لكي تُعيننا على استكشاف الملامح الحقيقية لمرحلتنا الحاضرة التي نعيش في أعصابها وتعيش في أعصابنا.. ثم لكي تتكامل في أذهاننا ووجداننا ملامح المرحلتين معاً، فنرى، خلال ذلك، قضيتنا العربية بعامة، وقضية فلسطين بخاصة، كيف تتحرّك كلتاهما، وكيف تتماسك هذه مع تلك في تفاعلٍ لا يُبقي على شيء من الثنائية بينهما، فلا يُبقي - آخر الأمر - على شيء من الثنائية في نضالنا نفسه، فإذاً نحن نناضل لفلسطين حين نكون في معركة التحرر العربي بإطارها الشامل، وإذاً نحن نناضل للتحرر العربي بكامله حين نكون في جبهة الكفاح الفلسطينية بخصوصها...
وحين نذكر مرحلةَ الخامسَ عشرَ من أيار، نعني بها أولى المراحل التنفيذية لتلك المؤامرة الكبرى التي بدأت الإمبريالية تعدُّها في الخفاء والعَلَن منذ بداءة هذا القرن.. أي منذ أخذت ترى في ثنايا الحركة العربية المناهضة للسيطرة العثمانية طلائع حركة قومية تحررية لا يقتصر مرماها على السيطرة العثمانية وحدها، بل يتّسع هذا المرمى حتى يشمل كل سيطرة أجنبية، كل مطمع استعماري من أية جهة ومن أيّ مصدر جاء...
من هنا وجدت الإمبريالية - منذ ذلك الحين - في الحركة العربية عدواً خطيراً يهدّد مطامعها في هذا الشرق، يهدد خططها الاستعمارية التي كانت ترسم "خريطتها" السياسية والاقتصادية والعسكرية، في الوقت نفسه الذي كانت ترسم فيه الخطط للإجهاز على "الرجل المريض" (تركيا العثمانية) بغية اقتناص "تركته " واقتسامها بين الأطراف المتنافسين يومئذٍ، وكانت البلاد العربية من هذه "التركة" بمثابة الفريسة الكبرى، تتكالب عليها وحوش الإمبريالية كلُّها الظاهرةُ في "الغابة" آنذاك..
كانت الستراتيجية الاستعمارية في ذلك الحين، بالنسبة للعالَم العربي، تقوم بالدرجة الأولى على فصل الجزء الأفريقي منه عن الجزء الآسيوي، "بحاجز" بشري قوي وغريب يُقام على الجسر البرّي الذي يربط آسيا بأفريقيا ويربطهما معاً بالبحر الأبيض المتوسط، بحيث تقوم في المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار وعدوٌ لسكان المنطقة "(1)
ولم يكن هذا الحاجز المصمَّم في "خريطة " الستراتيجية الإمبريالية، أمراً نظرياً وقت ذاك.. بل كانت له مشخِّصاته العملية الأولية الجاهزة التي كانت الحركة الصهيونية قد أعدّتها قبل ذلك، لا بدوافع عنصرية أو دينية وحسب، كما يخيّل لكثير من الباحثين العرب في هذه القضية، بل بدوافع رأسمالية استعمارية في الأساس اتّخذت من الدوافع العنصرية أو الدينية ستاراً جذّاباً يستقطب مشاعر اليهود في العالم..
لقد وجدت الدوَل الإمبريالية في هذه المشخِّصات، حينذاك، "صورة" واقعية لذلك الحاجز المصمّم في "خريطة" استراتيجيتها الاستعمارية، وأصبح هذا الحاجز - منذ يومئذٍ - مؤهلاً لأن يتحوّل ذات يوم من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.. وكان الخامس عشر من أيار عام 1948 هو ذلك اليوم.. يوم بدأت أولى المراحل التنفيذية للمؤامرة الكبرى، أي مؤامرة الإمبريالية العالمية على حركة التحرر العربية..
وإذا كانت الظروف الدولية للإمبريالية عام 1948 قد أهَّلتْ بريطانيا أن تكون هي اليد المباشرة في تنفيذ المرحلة الأولى من المؤامرة يوم 15 أيار، فإنَّ انتقال الإمبريالية إلى مركز الصدارة في العالم الإمبريالي بعد ذلك، قد أهَّل أميركا أن تتولّى هي، مباشرةً، أو بصورة غير مباشرة، عن طريق ألمانيا الغربية، تنفيذ المراحل اللاحقة للمؤامرة على حركة التحرر العربية بكاملها، وكان عدوان الخامس من حزيران إحدى هذه المراحل..
قصدتُّ من هذا العرض الموجز كل الإيجاز أن تمسك أيدينا رأساً بتلابيب المجرم الإمبريالي القائم في قلب طبيعة المجرم الصهيوني: إسرائيل... هذا أولاً..
وأما ثانياً فالقصد من هذا العرض أن نضع أيدينا رأساً كذلك على جوهر القضية الفلسطينية، الذي يتكشَّف لنا من ذلك أنه هو نفسه جوهر القضية العربية بشمولها، أي قضية الحركة الثورية التحررية للشعب العربي في مختلف أجزاء الأرض العربية: مشرقها ومغربها معاً..
وما أريد أن استخلصه من كل ذلك هو:
أولاً - أن استراتيجية النضال العربي في سبيل استعادة الشعب العربي الفلسطيني أرضَه ووطنَه وحقَّه في تقرير مصيره، لا يمكن أن تكون استراتيجيةً صحيحةً موصلةً إلى الهدف، إذا نحن وضعنا - بقصد أو بغير قصد - فاصلاً بين الصهيونية ووليدتها إسرائيل وبين الإمبريالية العالمية، والإمبريالية الأميركية بخاصة، ونظرنا إلى الصهيونية كأنها قوة برأسها، وغفلنا عن العنصر الإمبريالي الاستعماري القائم في صلب كينونتها وطبيعتها الأساسية من جهة، وغفلنا من جهة ثانية عن الروابط الكيانية الجوهرية التي تربطها، إيديولوجياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، بالعالم الإمبريالي الاستعماري منذ بدأت تتحرك مطامعه نحو هذا الشرق، ونحو عالمنا العربي بالأخص، مجابهاً الثورة العربية التحررية، إلى أن أصبحت أميركا صاحبة الحول والطول في قيادة الستراتيجية الإمبريالية واستراتيجية الاستعمار الجديد في عصرنا.. وإذا كانت لا تعوزنا الأدلّة على هذا الارتباط الأميركي - الإسرائيلي من التاريخ والواقع اليومي بالنسبة لنا، فإنه لمن المفيد أن نستشهد على ذلك بوثيقة دامغة لا يزال حبرها طريئاً.. ففي الاجتماع الأخير لمجلس حلف الأطلسي في بروكسل بتاريخ 22 تشرين الثاني في 1967 جاء في تقرير السيناتور الأميركي كوبر لهذا الاجتماع تحذيرٌ للحلف من إعادة تسليح الدول العربية باعتبار ذلك خطراً على إسرائيل ودول الأطلنطي...
ثانياً - أن استراتيجية النضال العربي تلك، لا يمكن أن تكون استراتيجيةً صحيحةً موصلةً إلى الهدف كذلك، إذا نحن وضعنا - بقصد أو بغير قصد أيضاً – فاصلاً بين القضية الفلسطينية وحركة التحرر العربية بكاملها، وإذا نحن غفلنا عن ذلك الواقع التاريخي الذي يكشف لنا، بوضوح تام، أنّ القضية الفلسطينية ما كانت لتكون قضية تتحرك حركتها بمأساوية يوم 15 أيار، ثم يوم 5 حزيران، لو لم تكن جزءاً عضوياً من القضية العربية الشاملة، ملتحماً بها التحاماً كلياً.. أي أن قضية فلسطين قد ولدت في الخطط الإمبريالية جزءاً أساسياً منها، لتحقيق المؤامرة الكبرى على حركة التحرر العربية منذ كانت هذه الحركة في خطواتها الأولى.. فلما قطعت شوطها الكبير بعد الحرب العالمية الثانية، باستقلال بعض البلدان العربية، وبتطور الكفاح الوطني والشعبي نحو مطامح تحررية جديدة، حدثت نكبة 15 أيار الاستعمارية الصهيونية ذاتُ الطابع الاغتصابي الإجرامي، لوقف المدّ التحرري العربي، ثم تطويقه وتضييق الخناق عليه حتى ينحسرَ ويضمحل..
ولكن النكبة لم تستطع وقف هذا المدّ الدّافق، فضلاً عن القضاء عليه، بل حفزته إلى دفق جديد، فحدثت ثورة 23 تموز في مصر، ثم ثورة 14 تموز في العراق، وبينهما ثورة الجزائر، وبعدهما انتفاضات وثورات هنا وهناك..
لقد كان العدوان الثلاثي عام 1956 على مصر، ردّاً استعمارياً وصهيونياً، على طلائع تحوّلٍ كانت تتمخّض به حركة التحرر العربية، وهي الطلائع التي ظهرت بتأميم قناة السويس، وبمشروع بناء السد العالي.. وقد أظهر هذا العدوان، مرة جديدة، مدى الترابط والتلاحم العضوي بين الصهيونية ووليدتها إسرائيل وبين الإمبريالية ووليدها الاستعمار الجديد..
ولكن العدوان الثلاثي هذا لم يستطع كذلك، لا وقف المد التحرري العربي، ولا وقف التمخّض الذي كانت تبدو طلائعه، التي أشرنا إليها، فتنشئ خطراً جديداً داهماً على المصالح الاستعمارية في العالم العربي، وفي منطقة الشرق الأوسط بأسرها..
ثم بدأ التمخض يلِدُ ولائدَه الأولى عام 1961 بالتأميمات الاقتصادية التي أحدثتها الجمهورية العربية المتحدة.. وهنا بدا واضحاً أن حركة التحرر العربية أخذت تتحوّل من حركة تحرر وطني محضاً إلى حركة يتداخل فيها التحرر الاجتماعي بالتحرر الوطني.. وهنا منبع الخطر الجديد لا على المصالح الإمبريالية المباشرة في الشرق الأوسط وحسب، بل على الأسس الاجتماعية التي تقوم عليها طبيعة وجود هذه المصالح في المنطقة كلها، بحيث تصبح الحركة التحررية العربية جزءاً جذرياً من الثورة العالمية المناهضة لا للإمبريالية بوصفها هذا وحده، بل للنظام الرأسمالي العالمي الذي هو الأساس الاقتصادي والإيديولوجي للإمبريالية..
وقد حققت السنوات الأخيرة هذا "الخطر" بالفعل، مذ قامت في الأرض العربية أنظمة ذات طبيعة تقدمية، ومذ أخذت تتسع وتتعمق تلك التحولات الاجتماعية التي تجري في الجمهورية العربية المتحدة بالأخص..
وهنا يبرز، من جديد، دور القاعدة الاستعمارية الصهيونية التي زُرِعت في قلب العالَم العربي، لتؤديَ دور الثورة المضادة لثورة التحرر العربية.. فكيف يكون الأمر وقد مضت هذه الثورة في مجراها التحرري الجديد، يدعمها أصدقاءُ أقوياء في العالم الاشتراكي، هم حلفاؤها الطبيعيون في المجرى الثوري العالمي الشامل؟ .
كان عدوان الخامس من حزيران، إذن، جزءاً جديداً من الدور الأساسي الذي وُجدتْ إسرائيل لأدائه في هذه المنطقة.. وكان طبيعياً وبدهياً أن تكون الإمبريالية الأميركية هي الدافعة لهذا العدوان، وهي المعبِّئة له والمسلِّحة والمموِّلة والمخطِّطة، كما كشفت أحداثه وآثاره وتصريحات القادة الإسرائيليين والأميركيين أنفسِهم في الأيام الأخيرة بالخصوص..
لسنا نتحدث عن أسباب الهزيمة العربية العسكرية أمام هذا العدوان.. فقد أظهرت الأيام منذ الخامس من حزيران حتى اليوم أنّ أسباب هذه الهزيمة ليست نابعة من طبيعة الثورة العربية بذاتها، ولا من طبيعة الاتجاه التقدمي الذي تتجهه، بل من أشياءَ خارجةٍ عن هذا كلّه..
والمسألة الآن: كيف الخروج من مُناخ هذه الهزيمة إلى مُناخ التغلّب عليها ومحو آثارها، ثم الانطلاق إلى مُناخ الحلّ الحاسم للقضية؟..
في محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة نبلغ الأمر الثالث من الأمور التي أردتُ استخلاصها في هذا الحديث:
نقول هنا إنه ما دامت مسألة إسرائيل ومسألة أدوار الاغتصاب والعدوان التي نفَّذتها، هي مسألة المؤامرة الإمبريالية الكبرى المستمرة على مسيرة التحرر والتقدم للقومية العربية منذ بداءتها، ثم ما دامت المسألة الفلسطينية، كما ظهر لنا، نابعةً من مسألة هذه المسيرة القومية التحررية التقدمية، ومن تلك المؤامرة عليها، فإنّ الرؤية تكون واضحةً لدينا في سبيل الحل للمسألة بمختلف جوانبها ...
والرؤية التي أعني، هي التحديد الصحيح للمعركة: تحديدُ إطارها الكفاحي، وتحديدُ الأطراف المتقاتلة في جبهاتها، وضمن ذلك تحديدُ الأعداء الحقيقيين الذين يواجهون قضيتنا بالتآمر والعدوان والضغوط المختلفة، وتحديدُ الأصدقاء والحلفاء الذين تفرض طبيعةُ الثورة العربية ذاتُها، وطبيعةُ كونهم فصائلَ أو طلائعَ في الحركة الثورية العالمية، أن يكونوا في معركتنا أصدقاءَ وحلفاءَ، بل شركاءَ طبيعيين لنا في المعركة،
أما الإطار الكفاحي للمعركة فهو الإطار الذي صاغته، تاريخياً وواقعياً، حركةُ التحرر الوطني نفسُها في مدى مسيرتها كله.. فإن تاريخ هذه المسيرة شاهِدُ عدلٍ على أن الشعوب العربية في مختلف ديارها، أعني جماهيرَها العريضة وأحزابَها ومنظماتِها الوطنيةَ والتقدمية، كانت هي الصورة والإطار معاً للمعركة، فقد شاركت فيها جميعاً بنضالاتٍ متفاوتةِ الأشكال والأحجام والأساليب والوسائل، وشاركتْ جميعاً، كذلك، بِنِسَبٍ متفاوتة أيضاً، في إحراز كل نصر حققته هذه النضالات.. وما دامت المسيرة لم تقف بعد، ولن تقف، فالإطار الكفاحي هذا نفسه لا يزال قائماً.. فلا بدّ - إذن - أن تكون مواجهةُ المرحلة الحاضرة من المسيرة، مرحلة ما بعد الخامس من حزيران، مواجهةً عربية شاملة.. فعلى الشعوب العربية كافة: على جماهيرها العريضة، وعلى أحزابها ومنظماتها الوطنية والتقدمية جمعاء، أن تستجيب إلى ما وضعته هذه المرحلة من مهمّات كفاحية جديدة، وأن توحِّد قواها صفّاٌ واحداً تجاه هذه المهمات..
وإنه لأمر عظيم أن يكون شعبُ فلسطينَ العربيُّ نفسُه هو الذي حدّد لنا جميعاً إحدى هذه المهمات، بل أهمها وأعمقها أثراً، وأقربَها إلى المنطق العملي الثوري.. أعني مهمة المقاومة المسلّحة في الأرض المحتلة، المهمةَ الفدائيةَ البطوليةَ الرائعة،
وإنه لَمن طبائع الأمور ومن بدهيات ما يقتضيه ذلك الإطار الكفاحي للثورة العربية، أن تتلاقى مختلف قوى التحرر العربي، شعبيةً وتنظيميةً وحكومية، على دعم هذه المهمة بكل ما تملك من طاقات وممكنات..
نقول ذلك على أمل أن لا تفارقَ أذهانَنا وضمائرَنا تلك الحقيقةُ النضاليةُ الواقعية التي تجعل من قضية فلسطين جزءاً عضوياً من قضية الثورة العربية بكاملها، أي أنْ لا نَغفلَ عن أنَّ النضال في سبيل تحرر سائر البلدان العربية وتقدمها، هو جزء مكمّل ومتكامل مع النضال لقضية شعب فلسطين.. فإنّ كل عمل نضالي لحماية الأنظمة العربية التقدمية، مثلاً، ولترسيخ قواعدها، ولتدارك النواقص وسدِّ الثغرات في سبيل تطويرها وتقوية قدراتها الاقتصادية والعسكرية والعلمية، هو عمل واقع لا محالة إلى طريق الحل العملي الناجع لقضية فلسطين، وإلى طريق النصر لنضالات شعبها في معركة المقاومة الداخلية الباسلة.. وكذلك نقول في كل عمل نضالي يتّجه إلى دفع قوى الرجعية والإقطاعية في البلدان العربية الأخرى عن مراكز النفوذ والتأثير في خط سيرها المصيري، وإحباط الخطط التي تدبّرها هذه القوى الرجعية والإقطاعية بوحيٍ من تحالفها الطبيعي مع قوى الاستعمار والصهيونية...
في هذا الإطار الشامل نستطيع أن نستشرف آفاق الطريق إلى نهاية المعركة..
ولعلنا بهذا التحديد لإطار المعركة، استطعنا أيضاً أن نحدّد الأطراف المتقابلة فيها.. فإذا كان واضحاً أن معركة التحرر العربية لا تنفصل عن المعركة العالمية فإننا نقف وقوى التقدم والتحرر والاشتراكية من جهة، وتقف قوى الإمبريالية والاستعمار والصهيونية والرجعية في الجهة الأخرى.. وبذلك يكون واضحاً لنا أين نقف من المعركة، ومن هم أعداؤنا فيها، ومن هم أصدقاؤنا وحلفاؤنا، بل شركاؤنا في النضال والمصير...
والمسألة، أخيراً، ليست مسألةَ تحديد وحسب، بل مسألةَ موقف أيضاً.. فماذا يفيدنا في ميزان قوى المعركة إذا نحن اكتفينا بمعرفة الأعداء ومعرفة الأصدقاء، من غير أن نقف الموقف الذي تقتضيه هذه المعرفة.. من غير أن نوجّه كفاحنا إلى صدور الأعداء، ومن غير أن نضع أيدينا بأيدي الأصدقاء، وأن نسند كفاحنا بهم وبما هم على استعداد دائم مخلص أن يقدّموه لنا من أنواع الدعم والمشاركة في إعدادنا للمعركة.
***
(1) هذه العبارة هي جزء من التوصية التي وردت في التقرير الصادر عن المؤتمر الذي دعا إليه عام 1907 باترمان رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، وضمَّ ممثلي الدول الاستعمارية في ذلك الوقت: بريطانيا، فرنسا، بلجيكا، هولندا، البرتغال، إيطاليا وإسبانيا
(2) يبدو أن هذا الحديث كان في الخامس من حزيران 1967، ولم يُنشر في أية وسيلة إعلامية، وقد وُجد كمخطوطة بين أوراق حسين مروة الخاصة. وهذه " القضية المعيّنة" تتناول الربط ما بين ذكرى نكسة 5 حزيران عام 1967، ونكبة 15 أيار عام 1948 (تعليق هناء م.)

... ويتراءى لي الآن، بعد هذه الجولة من الحديث، أن هناك سؤالاً ينهض من قلب المعركة أيضاً، يسألنا: وما شأن الحل السياسي الذي يؤلّف اليوم، في مرحلة ما بعد الخامس من حزيران، جبهة كاملة من جبهات المعركة؟..
ينبغي أن نلحظ، أولاً، أن تسمية هذا الأمر بـ "الحل" السياسي، أصبحت تسميةً غير دقيقة، ما دام الموقف في هذه "الجبهة" يزداد تعقّداً والتباساً يوماً بعد يوم، حتى أصبحت فكرة "الحل" من هذا الباب بعيدةً عن الواقعية.. فإسرائيل، ومِن ورائها أميركا، تطمح أن تستثمر طبيعة الهزيمة العربية في حرب الخامس من حزيران، إلى أقصى مدى ممكن، متشبّثةً بالحلم الذي يراودها منذ ذلك الحين، وهو حلم الاستسلام العربي لمطلب التفاوض المباشر معها.. وهي ما دامت تلحظ في الموقف العربي فقدان التماسك الداخلي، وفي القوى العربية الوطنية والتقدمية فقدان الوحدة الستراتيجية، ستبقى متشبّثة بهذا الحلم، وستبقى عصيّة على مجلس الأمن الدولي وهيئة الأمم وعلى الرأي العام العالمي، متمادية في مسلك العدوان والإجرام، تدعمها القوة الأميركية ويدفعها قادة الاستعمار الأميركي.
ولذلك نرى من الأجدر بنا تسمية هذه الجبهة بجبهة العمل السياسي، لا الحل السياسي.. وبهذه التسمية يصبح الرأي ذا وجه آخر.. والرأي حينئذٍ أن لا نتخلى عن إضافة جبهة العمل السياسي في المعركة إلى جبهات النضال الأخرى التي تحدثنا عنها من قبل.. فإن استخدامنا طولَ النَّفَس في الجبهة السياسية يُكسبنا أمريْن إثنيْن ضرورييْن لنا في المرحلة الحاضرة:
أولهما - الرأي العام العالمي.. وقد رأينا بعين اليقين كيف حدثت، منذ الخامس من حزيران حتى اليوم، تحوّلاتٌ ذاتُ شأن في مفهوم هذا الرأي العام العالمي عن طبيعة إسرائيل العدوانية، ومن ارتباطها العضوي بالإمبريالية العالمية والأميركية بالأخصّ، ولسنا من السذاجة الفكرية والسياسية بحيث يغيب عنا مدى ما نُفيد لقضيتنا من هذا التحوّل أو الانعطاف، ومدى ما يمنحنا من قوة في نضالنا حين تقف معنا في المعركة قوى عالمية جديدة إلى جانب قوى الاشتراكية والتقدم والتحرر في العالم..
وثاني الأمريْن - كسب الوقت في توطيد الأنظمة التقدمية العربية التي أُصيبت في عدوان الخامس من حزيران بهزّة عميقة الأثر.. وبذلك يصبح الوقت عاملاً مساعداً أيضاً لإعداد الجبهات الداخلية إعداداً يتناسب مع مهمات النضال الثوري بمختلف أشكاله، فضلاً عن مساعدة ذلك في إعداد القوى الأخرى التي تؤلف العناصر الأساسية في تمكين النضال العربي من فرض الحل الحاسم للقضية بكاملها...
***
وعلينا، أخيراً، أن نتذكّرَ في هذه الأيام بالخصوص أننا نعيش في لبنان، وأن للقضية في لبنان حديثاً ذا شؤون وشجون.. حديثاً يتّصل بمرحلة ما بعد الخامس من حزيران اتصالاً مباشراً.. فلقد دأب الاستعمار أن ينفذَ في هذا البلد العربي من مخارم معروفة إلى حيث ينشئ أوكاراً للمؤامرة نفسِها على حركة التحرر العربية ولكنه - منذ نكسة حزيران - وجد لمؤامراته مخارم كثيرة في لبنان خرج منها إلى ظاهر العمل السياسي التآمري بعضُ الأفاعي الرجعية السامة التي كانت منذ حوادث 1958 تعمل في جحورها..
إن تناسقاً واضحاً يبدو، هذه الأيام بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، بين ربيب هذه الأفاعي عندنا وتهديدات إسرائيل وعدوانها الأخير على بلدة حولا في الجنوب..
ذلك مخطط جديد واضح المعالم والملامح، وهو يفتح جبهة جديدة في المعركة العربية.. فماذا أعدَّت القوى الوطنية التقدمية في لبنان لهذه الجبهة؟ أتُراها تَذْهُل عنها وهي من المعركة الحاضرة في صلب اللحم والعظم؟..
إن تماسك هذه القوى ليزداد اليوم إلحاحَ ضرورةٍ عاجلةٍ، قبل أن يستفحل الخطر.. وإن كل اختلاف في وجهات النظر بينها ليبدو ثانوياً وجانبياً بالنسبة إلى ما يجمع ويوحِّد...
وإن جماهير شعبنا في لبنان، وجماهير شبيبتنا، مدعوة كذلك إلى هذا الذي يجمع ويوحِّد.. فإلى وحدة النضال أيها الأصدقاء.

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 377
`


حسين مروة