صرخة نساء الجنوب

"النظام الأبوي يقتل"، كان هذا أحد شعارات المسيرة النسوية يوم الأحد في مدينة صور. لم يتعدَّ عدد النساء الثمانين، لكنّ هذا الأمر لم يمنعهن من السير في شوارع المدينة الرئيسية، واقفاتٍ أمام مصرف لبنان والمحكمة الجعفرية، "مقبرة النساء" كما ذكرت الشعارات.

كان صوتهُنّ مدوٍّ في كل شوارع المدينة. هتفْنَ ضدّ السلطة الدينية، هتفْنَ لحقّ الأمهات في الحضانة، لحقّ النساء في إعطاء الجنسية لأطفالهنّ، هتفْنَ ضدّ السلطة الأبوية وكل ما يحوي المصطلح من قمعٍ وذكوريةٍ واستغلالٍ وتميُّزِ فردٍ على آخر وإقصاءٍ واستضعافٍ للآخر.

لعلّني أكثر تفاؤلاً من الكثيرات إذ أقول بأنّ هؤلاء النساء تحدّيْنَ مَن منعَهنّ من حقّهن في المشاركة السياسية والتظاهر في الساحات العامة والمساهمة باتّخاد القرار. إذ أنّ وجود النساء في الساحات والشوارع ليس بمشهدٍ مألوف في صور، بسبب حصر دورهنّ داخل التجمعات الخاصة الضيقة مثل المنزل وأماكن تجمّع الأسرة والحيّ. منذ بداية هذه الانتفاضة، كانت نساء صور الأقوى، بحيث عرفْنَ أنّ هذه الحقوق مكتسبة، ففرضْنَ وجودهنّ في الشارع وأصبحْنَ جزءاً أساسيّاً من انتفاضة صور، ونزلْنَ المسيرة يكرّسن ذلك.

لنساء صور قوّة مرعبة، بالرغم من الواقع الاجتماعي القاهر. وكما يحدث في معظم المجتمعات المحافظة، فإن خروج النساء في كثير من الأحيان، ولو كان بهدف اللقاء بالأصدقاء، يخضع لبروتوكولات معيّنة، تحدّد المكان والمدّة والشكل وحتّى نوع الأصدقاء وشكلهم وبيئتهم. بينما يستطيع الأخ الأصغرأن يلعب دوراً في فرض سلطته على أخته التي قد تكبره بعشر سنوات.

من المعلوم أنّ لصور خصوصية سياسية كحال الجنوب عامة، خصوصية من صنع حزب الله وحركة أمل، أقوى أحزاب السلطة. يأبى الثنائي إلّا أن يحافظ على هذه الخصوصية بكل ما لديه من أدوات لضمان استمراريته وسلطته. فلهذين الحزبين مثلاً سلطة لإلغاء حفلة يقيمها مطعم، بحجة أنّ في الفرقة الموسيقية "بنات بيلبسوا قصير". لهذين الحزبين سلطة لإقفال محال تبيع الكحول، ومنع جمعيات من دخول الجنوب، وإيقاف نشاطات غيرها، ومنع -بطريقة مباشرة أو غير مباشرة- وجود ساحات عامة للتلاقي والتفاعل، أو تجمع شبابي له تطلعات تغييرية أو بكل بساطة رؤية يمكن أن تتعارض مع مشروعهم.

كما فرض الثنائي أنماط تديُّن جديدة، وأسقط علينا ممارسات ثقافية هي في الأصل غريبة عن مجتمعنا عامة، والمجتمع الجنوبي خاصة. وهي أنماط ليست ذات منشأ ديني كما يدّعي، إنّما ذات بُعد سياسي رأى من خلاله قدرة للسيطرة على المجتمع وعقول الناس. أنتج هذان الحزبان نوعاً خاصاً من رجال الدين ودعموهم ليحظوا بثقل وسلطة تفوق في بعض الأحيان سلطة رجال السياسة. استخدم الثنائي الشيعي موارده، فائض قوته وسلطته لعزل المدينة عن التطور والانفتاح. وقد نجح بنسبة عالية ولفترة معينة. لعلّنا، كنا لأعوام مستسلمين لهذا الواقع، وكل ما استطعنا فعله هو مراكمة الكره وحقدنا تجاه هذه المدينة والهرب نحو بيروت.

اليوم، تعلم هؤلاء النساء أنهنّ في مواجهة مع من ينصّبون أنفسهم أولياءً عليهن بدعم مباشر من أقوى الأحزاب سلاحاً ومالاً وسلطة. ثارت نساء الجنوب على هذه الإنتاجات والأنماط، كسرْنَ كل القيود الإجتماعية، تحدّيْنَ كل الأطراف المعادية، تحدّيْنَ المجتمع ونظرته للنساء في الشارع، تحدّيْنَ السلاح والعنف الذي يهددون به المنتفضين كل يوم. تحدّيْنَ أنفسهنّ وانتصرْنَ، فأحدثْنَ خضّة نوعية تزعزع أركان الموروثات الاجتماعية والأنماط التي كرّسها هذا الثنائي في نظرة مجتمعنا للنساء. هذه الخضة يبنى عليها لتأسيس نمط اجتماعي تقدّمي في تعامله مع النساء، ويؤسّس لشكلٍ جديدٍ للمدينة.

  • العدد رقم: 369
`


لمى غندور