مساهمة في نقاش واقعنا السياسي قبل وبعد بدء طوفان الاقصى

قضايا أساسيّة بارزة في التداول، جميعها في حالة من الاستعصاء، ذلك لارتباطها بطريقة مباشرة او غير مباشرة بطبيعة الترتيبات التي تلحق المنطقة برمّتها والتي تجري تبعاً لرغبات واهداف لاعبيها، دول واحزاب، واحتكاماً لزمن من التبدّلات السريعة عنوانه "التعدديّة القطبية" حيث يسعى كل طرف الى امتلاك أوراق ضامنة لمستقبل حضوره واستمراره السياسي.

بالطبع القوى المؤثّرة الكبرى قبل "طوفان الأقصى" كانت تفعّل دورها وعلى ايقاعها تدحرجت ردود الافعال، والدول الاقليميّة تحضّر ساحاتها لكلا احتمالين غير متناقضين، إمّا الذهاب نحو اتفاقات وتفاهمات ثنائيّة او الذهاب الى مواجهات تشمل الاقليم برمّته كساحة إن تطلب الأمر ذلك.
عملت الولايات المتحدة على تحضير الارضية المناسبة للانقضاض حين تتوفّر لها الظروف الملائمة لذلك، وهذه الوجهة يستدل عليها بما يلي:
- تلقفت الولايات المتحدة مشروع طريق التجارة الهندي وتبنته على وجه السرعة في مواجهة مشهد تقدّم طريق الحرير الصيني، وبخلاف الصين أخذت تعمل على ربط الاقتصادي بمشروع سياسي مباشرعنوانه التطبيع مع العدو الاسرائيلي لتضمن في مرحلة لاحقة تأسيس محور يشكّل أحد أدواتها في المنطقة.
- مسارعتها اي الولايات المتحدة الى تقديم العروض الامنيّة للسعودية ولو على تردّد في موضوع الطاقة النوويّة، ومراجعة علاقاتها معها لفك ارتباطها مع الصين وايران بهدف جر المملكة الى التطبيع.
- قيام الجيش الاميركي بتعزيز مواقعه العسكريّة على الحدود السورية العراقية لاستكمال الطوق العسكري على دمشق، ومستهدفةً قطع الامدادات عن دمشق وحزب الله من ايران، وتعزيزاً لطوق قيصرالاقتصادي.
- لبنانيّاً، الاستمرار بدفع الوضع في لبنان للغرق أكثر فأكثر اولاً، في مـازقه المالي الاقتصادي وثانيا، في الاخلال في استاتيكا الوضع الامني، ومن ضمن هذا السياق اتت الاشتباكات في عين الحلوة. في المقابل عملت الديبلوماسيّة الأميركيّة جاهدةً على السعي لفصل وتحييد الحدود اللبنانيّة - الفلسطينيّة عبر طرح الترسيم الحدودي في التداول.
- ما لحظه الجميع من تحويل لدور اللجنة الخماسية في تمركّزها ضمن اصطفافات محددة، وفي عزل المبادرة الفرنسية باستبدالها بالمبادرة القطرية.
- النزوح السوري المستحدث الى لبنان الذي يحمل في طياته أكثر من مفارقة لم تتضّح فصولها بعد، فبغض النظر عن اسبابه، جرى توظيف له يبشربأنّه سيحمل آفاق سلبيّة في الداخل اللبناني على كافّة المستويات وباحتمالات ارتباطه بالصراع في المنطقة.

في اتجاه أخر، هذه الوضعيّة من الاشتباك قبل عمليّة طوفان الأقصى، ضد المشروع الاميركي او بين دول المنطقة لم يكن ليلغي ان تكون المنطقة غارقة في حينه في لجّة من التفاهمات والاتفاقات موضعيّة محوراها الاساسيان السعودية وايران، برضى الاميركي أو بعدمه، وبأن يكون لبنان على لائحة انتظار ممّا انعكس مراوحة وتمديد على موضوع انتخاب رئيس للجمهوريّة: فحزب الله ما كان ليتساهل بخسارة دوره لا على مستوى لبنان ولا في المنطقة، أو بتفسير آخر لما على ايران أن تقدم على خسارة هذا الدور؟ لذا منذ البداية: تكوين وتحقيق اهداف الخماسيّة في الاساس كان مجافياً للواقع لما حمله من ثغرات برزت تباعا، فضرورات التجاذب في ملفات المنطقة لم تكن لتستوي بمحاولات عزل ايران لتحقيق تسوية في لبنان رغم التزلف الفرنسي والدور القطري الاميركي المضمون.
إذا بالمختصر لم يكن لا بمقدورالسعودية أوما يسمى دول الاعتدال، ولابمقدور ايران تقديم اوراق مبكرة، وأي اتفاق في ظل احتدام الصراع امتلك بامتياز ابعاده الاقليمية، الممتدّة والمرتبطة بالصراع الدولي بما سيترتّب عليه من تطوّرات لجهة المجابهة في وجه الصين وروسيا. فتنازل اي طرف للآخر كان وما زال سيعرقل ترتيباته الخاصّة لاوضاع المنطقة لكل من هو قادر على ملاءمة وضعيّته لكلا الحالتين إمّا تراكماً او حسماً.
في هذا السياق وفي ظل مسار التطبيع من قبل الولايات المتحدة واستحضار المشاريع المشبوهة بربط سيناء بايلات الخ....، وفي ظل محاولة "محور المقاومة" ترسيخ معادلة جديدة أو أقلّه تثبيت المعادلة القائمة، ما كان امام المقاومة الفلسطينيّة دفعاً لهاجس اقصائها عن قضايا المنطقة ومحاولات الغاء القضيّة الفلسطينيّة، بعد تحضيرات سبق وأن تحضّرت لها مسبّقا، إلّا أن تأخذ قرارها باطلاق عمليّة "طوفان الأقصى". وبغض النظر عن ما اذا كان القرار مفاجئ لمحور المقاومة أم لا والجدل القائم في بعض الاوساط حول التوقيت والملاءمة، الصراع اندفع مرّة واحدة وقفز الى آفاق ذات طابع استراتيجي ويرتهن الآن الى نتائج الصراع العسكري وما ستكشفه التطورات السياسية الحالية من توازنات القوّة .
مع عمليّة " طوفان الاقصى" توقّف الاتجاه السياسي – الاقتصادي المعد للمنطقة أو انطوت صفحته، الهند - السعودية -إسرائيل – اوروبا، وتوقّف التطبيع بين اسرائيل والسعودية، الآن وبانتظار نتائج الميدان بما ستفرزه من موازين قوى جديدة، ستنكب العمليّة السياسيّة على اعادة رسم خارطة جديدة للشرق الاوسط، الأمر الذي يتهيب منه الجميع بدون استثناء فلا اميركا والغرب عموما على استعداد لفقدان مواقعهم الحالية في خطوات غير محتسبة، ولا ايران مستعدّة لفقدان اوراقها بالجملةً، فالحسم سيعني لها لعبة سولد غير مضمونة النتائج. لاعب السولد الوحيد هي دولة اسرائيل المستفيدة من الدعم والتغطية الواسعة الذي قدّمه الغرب، هي الكيان الذي لم يخرج بعد من آثار اللطمة التي ألمّت بها ، ففي أفضل الأحوال ومع كل التزلّف العربي للولايات المتّحدة طغى على المشهد السياسي مبدأ "حل الدولتين"، لذلك لا خيار أمام العدو الاسرائيلي على الرغم من احتمال افتراق اهداف حلفائها مستقبلا، وتفادياً لما هو قادم في داخل كيان العدو أو في خارجه، ما من مفر إلّا بالتصعيد والمزيد من الاجرام بحق الشعب الفلسطيني. فإن لم ترد الدولة الدولة الصهيونيّة الاعتبار لوظيفتها الكاملة ستكون أقلّه امام مصاعب وظروف داخليّة صعبة .
هذا التفاؤل لا يبدّده إلّا مسألتين: دور العربان لاحقاً والاندفاع المفرط لبعض محور المقاومة. وبالطبع من المهم رؤية أبعاد ممارسة الصين وروسيّا لاحقا حيث تتوضّح فصولها تبعاً لتطوّرات الصراع.
في سياق ما يجري في المنطقة ورفعاً لكل الجدل القائم الآن للادوار، وحرصاً على عدم تهميش الصراع الفلسطيني العربي الصهيوني، كان لانطلاقة عملية الأقصى مع ما تميزت به من خصوصيّة الموقع ومن الجرأة والجسارة في التدريب والتخطيط والتنفيذ أثرا سيبقى لمرحلة طويلة كمعلم تمكّنت فيه المقاومة الفلسطينيّة بأقصر الطرق من تحرير قضيّتها من براثن المتآمرين عليها، ومن أهم دروسها أنّ العدو الصهيوني لا توازيه قوّة وجبروتاً الاّ العودة الى منهجيّة التحرير الوطني.

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 418
`


عبد الناصر حدادة