مارسيل غانم : "صار الوقت .."

منذ زمن بعيد،
ثمة إعلاميون يحاورون ضيوفهم، وثمة مارسيل غانم الذي يحاور ذاته وضيوفه حضورٌ عابر لا أكثر. فالرجل محامٍ بحكم الشهادة قبل أن يكون إعلامياً، وفي ذلك تفسيرٌ لكل شيء: فهو النائب العام والمحامي والقاضي وهيئة المحلّفين مجتمعين، أما الضيف فما هو إلا إضبارة مفتوحة يقلّب صفحاتها على وقع طبول المقدّمة. ثلاثون عاماً من المهنة يمكن اختزالها في خمسة مشاهد وخاتمة واحدة.


المشهد الأول: الدفاع عن الحاكم ومافيا المال
لم تكن القصة وليدة الانهيار. ففي عام 2002 كان رياض سلامة ضيفاً عند غانم، و"بين أسئلة مارسيل الملغومة منها والبريئة، وأجوبة رياض سلامة المواربة والمباشرة، انصبّ اهتمام الرجلين على سعر صرف الليرة"، على حدّ ما يرويه الفضل شلق في كتابه.
وبعد عشرين عاماً، وفيما كانت الليرة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وثّقت "ميغافون" ما أسمته "الدفاع الأسبوعي المستميت" عن الحاكم عبر برنامج "صار الوقت"، طوال سنتين ونصف، قبل أن "يكتشف" البرنامج متأخراً هوية المستفيدين من سياساته.
وحين اشتدّ الخناق، تحوّل البرنامج – وفق التوثيق ذاته – إلى "التهويل من رحيل الحاكم" والترويج لفكرة أن البديل أسوأ.
وفي إطلالة تلفزيونية لاحقة، وعد غانم – بل كرّر وعده ثلاث مرات – بإجراء لقاء مطوّل مع الحاكم مطلع العام التالي. غير أن اللقاء تأجّل إلى ما لا نهاية، إذ أُوقف الحاكم في أيلول 2024 بتهم من بينها اختلاس المال العام والتزوير، ثم أُخلي سبيله بكفالة تجاوزت أربعة عشر مليون دولار.
تأمّلوا المفارقة: كفالة واحدة تكفي لردّ ودائع حيٍّ بأكمله. المودِع خسر وديعته، والحاكم سدّد كفالته من مدّخرات لا يعلم أحد مصدرها، ومارسيل غادر المشهد بفاصل إعلاني.
المشهد الثاني: بطل حرية الإعلام… بمحض الصدفة وغباء السلطة
في حلقة العاشر من تشرين الثاني عام 2017، استضاف صحافيين سعوديين وصفوا رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ووزير الخارجية بأنهم "شركاء في الإرهاب". فطلب وزير العدل سليم جريصاتي من النائب العام التمييزي ملاحقته، فمثَل غانم في الرابع من كانون الثاني عام 2018 أمام قاضي التحقيق نقولا منصور، بينما اعتبرت محطته أن المستهدَف هو حرية الإعلام بأسرها.
وهنا تكمن المعجزة الوحيدة في مسيرته: فالدولة اللبنانية، بعبقريتها المعهودة في صناعة الأبطال عن طريق الخطأ، حوّلته بين ليلة وضحاها إلى أيقونة لحرية الرأي. والمفارقة أن أشهر انتقاد يُوجَّه إلى أسلوبه يناقض ذلك تماماً: "فحين لا يعجبه كلام ضيفه، يقاطعه على الفور ويشتّت الحديث".
فحرية الرأي عنده مقدّسة، شريطة ألا يُتاح للضيف إتمام جملته.
المشهد الثالث: سلامٌ برعاية "إسرائيل بالعربية"
في بودكاست "The Pen Cast"، وتحت عنوان ترويجي لا يحتمل المزاح – "المقابلة التي انتظرها الجميع في لبنان" – أعلن صراحةً: "نعم للسلام مع إسرائيل".
وقد أثارت هذه المقابلة، بحسب ما راج، "موجة عارمة من الاستنكار الشعبي". غير أن الاستنكار لم يكن إجماعياً، إذ تبنّت الصفحة الرسمية لـ"إسرائيل بالعربية" كلامه، وأعادت نشر تساؤله عمّا إذا كان "قد آن الأوان ليلحق لبنان بالركب".
ألا تستحق هذه الصورة التأمل: إعلاميٌّ لبناني يبدي رأياً، فتصفّق له الصفحة الرسمية لدولة يصنّفها قانون بلده عدواً. لم يعد السؤال المطروح: هل هذا تطبيع؟ بل صار: لمصلحة من نعيد تداول هذه المقاطع؟
المشهد الرابع: هلعٌ في مؤسسات الصحناوي
بحسب تقرير نشرته صحيفة "الأخبار": أجرى موقع "هنا بيروت"، التابع للمصرفي أنطون الصحناوي، مقابلة مع السفير الإسرائيلي في واشنطن، وطُلب بثّها فوراً، فأصاب الذعر مدير الموقع في بيروت، مارك صيقلي، فتوجّه إلى السفارة الفرنسية طالباً الحماية وتأمين انتقاله إلى باريس، خشية الملاحقة بتهمة التواصل مع العدو، أو تعرّضه للأذى من حزب الله ومناصريه.
الموظف، إذن، أدرك أن المقابلة قضية أمنية تستوجب حماية دولة أجنبية. أما مارسيل غانم فقد أدرك الأمر على نحو مغاير تماماً: إذ وبّخ، بحسب المعلومات ذاتها، صيقلي وإعلامية أخرى تعمل معه، وطلب منهما مواصلة العمل لا أكثر. وفي بلدٍ يُحاكَم فيه المواطن العادي على "إعجاب" يبديه على منصة تواصل، يبدو أن بعض الشاشات تتمتع بحصانة من الطراز الأول، وأن بعض المدراء لا خبرة لهم سوى في التوبيخ.
المشهد الخامس: أستاذ الأخلاق وقاموس السباب
ذات يوم اعتلى المنبر ليشرح للنائبة بولا يعقوبيان مفهوم "الانحطاط في الإعلام"، خالصاً أمام المشاهدين إلى أن "الانحطاط، يا بولا، هو أنتِ ذاتها". ثم انحدر من المنبر مباشرة إلى القاموس، فخاطبها بعبارات نابية ومهينة، في سجالٍ وثّقته الصحافة، من "القدس العربي" إلى مواقع التواصل الاجتماعي. ولم يكتفِ بذلك، بل لجأ إلى سلاح التلميح، موحياً بمعرفته بأمور من ماضيها.
وجاءت الملاحظة الأدق من "ميغافون": فيعقوبيان "ليست الأولى، إذ كلما هاجم مارسيل غانم امرأة، عاد إلى القاموس ذاته"، وكأن قاموس الذكورية المقيتة جاهزٌ دوماً للردّ على كل من تجرّأت على تحدّي صديقه الصحناوي أو أياً من أصدقائه المتنفذين مستقبلاً.
ثلاثون عاماً، والمشهد واحد لا يتغيّر: طبولٌ تُقرَع، وتصفيقٌ مرتَّب سلفاً، وضيفٌ لا مهمة له سوى أن يكون شاهداً على حوار مارسيل مع نفسه. دافع عن الحاكم حتى سقط الحاكم، وغازل "السلام" حتى صفّقت له الصفحة الرسمية للعدو، وبين كل مصيبة وأخرى، فاصلٌ إعلانيٌّ مريحٌ جداً. واليوم، وقد غدا الوطن ذكرى والوديعة حكاية تُروى، لا يزال يطلّ علينا كل خميس ليذكّرنا بأن "صار الوقت" لطيّ هذا النمط من الإعلام، وهذه المنظومة التي ترعى ذباب الشاشات والمنصات.

 

*ينشر بالتزامن عبر منصة وكالة الخبر و مجلة النداء