السفير الصيني في حوار شامل مع النداء: الصين جاهزة للمواجهة

0
0
0
s2smodern

 كأنك في الصين تماماً، غرفة واسعة، فرش فخم ذو لونٍ هادىء، أحواض نباتات، وكرسي يتوسط العلمين الصيني واللبناني، يجلس عليه السفير الصيني في لبنان وانغ كي جيان.

يستقبلنا بحرارة، لنتفاجأ بمدى إتقانه اللغةَ العربية، من دون إخفاء فرحته لاهتمامنا في الشأن الصيني. يتحدث بفخر وحب عن بلاده، وتجربتها في السنوات الأربعين الأخيرة، ويشرح فصلاً مستقبل الصين بقناعة رسختها رؤية الحكومة الصينية وخططها المستقبلية، على الصعيد الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي.

 

س: لقد أنهى الحزب الشيوعي الصيني مؤتمره التاسع عشر منذ أشهر قليلة، وخرج برؤية جديدة ضمن سياسة الإصلاح والانفتاح المعتمدة، أطلق عليها الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر للجديد، فما هي برأيكم أهم التحديات التي تواجهها الصين على المستوى الداخلي، وخاصة موضوع الفقر وعدم المساواة في الدخل والبيئة، وغيرها من القضايا؟


ج: هناك مجموعة تحديات تواجه الصين في الفترة الحالية، خاصةً في العامين القادمين، وتتمثل بثلاث نواحٍ، أولا منع حدوث مشاكل بنيوية، ثانياً إنهاء الفقر، وثالثاً معالجة التلوث، وقد لاحظ المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني هذه التحدياتِ، فتم خلاله وضعُ منهج جديد للعمل. التحديات البنيوية تتصل بالنظام المالي والمشاكل الهيكلية والمخاطر الخارجية إقليمياً ودولياً. فالصين قد وصلت إلى مرحلة النمو والتحول الاقتصادي، ووقوع أي من هذه الأزمات سيؤدي إلى مشاكلَ كبيرةٍ جداً تؤثر على وضع الصين بشكلٍ تام.
من ناحية ثانية تعمل الحكومة الصينية بجهد ودقة على تخفيض نسبة الفقر، وصولًا للتخلص منه نهايةَ عام ٢٠٢٠، فهناك أكثر من ٣٠ مليون نسمة دخلهم السنوي لا يتعدى ال ٣٠٠$ وهم يعيشون في حالات صعبة جداً في أماكنَ بعيدة. وتحقيقُ هكذا هدف خلال عامين ليس بالأمر السهل.
شهدتِ الصّين تقدّمًا كبيرًا في مجال معالجة التلوث، خاصةً في المدن الكبرى والمناطق الشمالية، لكن ما زالت المشكلة موجودةً، وتحتاج إلى عزم من قبل الحكومة المركزية والحكومات المحلية لحلّها، فكثيرٌ من المصانع الملوثة هي في الوقت نفسه من أكبر المساهمين في الضرائب للحكومات المحلية، كما أنها تستوعب عددًا كبيرًا من العمال. كذلك تحتاج المعالجة الى ميزانية كبيرة، ففي الشتاء المنصرم، قررت الحكومة المركزية تبديل الفحم بالغاز الطبيعي، في شمال الصين، حيث كانت التدفئة تعتمد بشكل أساسيّ على الفحم وهي مصدر رئيسي للتلوث.
أما على المستوى الخارجي، فيجب تفادي أي أزمة إقليمية أو دولية، كملف كوريا الشمالية أو حربٍ تجارية مع الولايات المتحدة. مثل هذه الملفات قد تكون خارجَ سيطرة السلطة الصينية، لكن من ناحية الحكومة والحزب نحن مستعدون لمثل هذه الأزمات، وكانت ردود الفعل الصينية، السريعة والقوية، على الإجراءات الضريبية الأميركية، دليلًا على جهوزية الحكومة والحزب للمواجهة.

 

س: لا شك أن الصين أصبحت قوةً عالمية اقتصادية وسياسية، وهي اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، كيف ترون موقع الصين السياسي على المستوى الدولي في السنوات العشر القادمة، وماذا عن علاقتكم بالولايات المتحدة التي تصر على الاستمرار في الهيمنة على العالم؟ كيف ستواجهون هذه الهيمنة، خاصة في ظل الإجراءات الاستفزازية المستمرة من قبل الولايات المتحدة، سواء على المستوى الاقتصادي (الضرائب على الصادرات الصينية). وهل سنرى دورًا أكثرَ فاعليةً للصين على مستوى حل القضايا الدولية المشتعلة؟ خاصة الوقوف في وجه الهيمنة الأمريكية سياسيا وعسكريا؟

 

ج: فرضت الولايات المتحدة الضرائب مرتين، المرة الأولى كانت في ٨ آذار، حيث شملت الضرائب الحديد والألومنيوم، وكانت بنسبة ١٠ و٢٥ في المئة، في حين أعفَت، في الوقت نفسه، معظمَ حلفائها من هذه الضرائب.في الحقيقة كان هذا الإجراء موجهًا إلى الصين. رأت الصين أن هذا الاجراءَ تمييزيٌّ وغيرُ عادل ومخالفٌ لقواعد منظمة التجارة العالمية التي تنضمّ إلى عضويتها كلٌّ من الصين والولايات المتحدة،
فكان من الطبيعي أن ندافعَ عن مصلحتنا بعد أن خالفتِ الولايات المتحدة هذه القواعدَ، وتردَّ الصين على ذلك بطرح قائمة من السلع التي سنفرضُ عليها ضريبة ١٥ و٢٥ في المئة مستوردة من أميركا، مثل المكسرات والنبيذ، وسيعادل حجم الضرائب الأميركية على البضائع الصينية.
الجولة الثانية كانت في ٢٣ آذار حيث أعلن الرئيس الأميركي فرض ضرائب ٢٥% على بضائع صينية قيمتها 50 مليار دولار أميركي تشمل الصناعات الحديثة والفضائية والإلكترونية والذكاء الاصطناعي وأجهزة طبية، وفي اليوم نفسه أعلنت الصين قائمة جديدة تضم 128 سلعة تشمل المنتاجات الزراعية وسيارات أميركية.
الجولة الثالثة كانت عندما قال ترامب: لن نتراجع وسنزيد من الضغط على الصين وسنفرض ضريبة على ١٠٠ مليار دولار أميركي من الصناعات الصينية، مما ستواجهه الحكومة الصينية بلائحة جديدة، فوصل الموضوع الى حد الحرب التجارية، في الوقت عينه طرحت الصين طلبًا لدى منظمة التجارة العالمية بوضع آلية لفض النزاعات وحل المشاكل في منظمة التجارة العالمية عبر الحوار للدفاع عن مصالحنا.
التجارة الصينية - الأميركية تفيد الطرفين، فيما العجز التجاري له أسباب كثيرة، معظمها تتمحور حول الاختلاف الهيكلي للنظامين الاقتصاديين للبلدين. كما أنّ الميزان التجاري لا يعكس طبيعة التجارة الصينية – الأميركية، لأن الجانب الأميركي يستفيد كثيراً من التعاون الاقتصادي مع الصين... فأي إجراءات ليست عادلة، لا تضر بمصلحة الصين فقط، بل بالمصالح الأميركية أيضاً.
خطورة هذه الإجراءات تكمن في ناحيتين، الناحية الأولى في الاجراءات الموجهة بشكل أساسي في وجه الصناعات الحديثة الصينية، مثل الصناعات الفضائية والأجهزة الطبية والذكاء الاصطناعي، كلها صناعات مستقبلية، وعليه فهذا استهداف ذو بُعد مستقبلي وبأهداف غير تجارية. ثانياً نحن استفدنا من العولمة الاقتصادية واستفدنا من عضوية منظمة التجارة العالمية، ولا نزال نؤمن أنّ المنظمة والتجارة الحرة والعولمة تخدم مصلحة الجميع، لكن ما يفعله الرئيس ترامب عكس ذلك. وتخريب هذه القواعد ستؤدي الى فوضى في العالم.

 

س: في الاجتماع الأخير في بكين للمجلس الاستشاري السياسي أدخلت تعديلات وصفت بالتاريخية على النظام الحزبي في الصين، ماذا ستستفيد الصين برأيكم من هذه التعديلات؟ وهل أفكار الرئيس شي التي أصبحت جزءًا من الدستور ستكون دافعا إيجابيا لعملية نهوض الصين؟


ج: التعديلات التي أدخلت على الدستور تشمل أفكارَ شي جين بينغ حول "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد"، إضافة الى النص الذي يتحدث عن فترة ولاية الرئيس. فأفكار شي جين بيغ أتت نتيجةً لتطور التجارب الصينية في الخمس سنوات الماضية واستخلاصًا من تجاربنا التي ساهمت في التطور والنمو المستمر في الصين في هذه الفترة. ستشكل هذه الأفكار القواعد المرشدة للصين خلال عملية تطورها في الفترة القادمة، خاصةً في مجالات التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، والقانونية ومعالجة التلوث، بهدف جعل الصين بلداً جميلاً، وتحقيق رفاهية الشعب.
هذه الافكار قوبلت بدعم واسع النطاق، ليس فقط داخل الحزب الشيوعي الصيني، بل في المجتمع الصيني ككل، ونتيجة لذلك قرر البرلمان الصيني إدخال هذه الأفكار الى الدستور الصيني كقانون يلزم جميع المواطنين ويضمن توجه الصين في المستقبل. أمّا بالنسبة لفترة ولاية الرئيس، فأتت كضمان لاستمرارية هذا المنهج، لأنّ الكثير من المهام والقضايا، خاصةً في النمو الاقصادي والاجتماعي وتشديد الانضباط في الحزب، تحتاج إلى وقت طويل نسبياً لتحقيق نجاحها النهائي.

 

س: لقد أطلق الرئيس الصينيّ مبادرة "الحزام والطريق" سنة ٢٠١٣، وهي مبادرة تطرح نمطًا جديدا للعلاقات الاقتصادية بين الدول والأمم، لكن كيف يمكن تحقيقُ هذه المبادرة والإمبريالية تشعل الحروب على كامل طريقها (أفغانستان، سوريا..)؟ ما هي أهم المنجزات لهذه المبادرة؟ وما هو موقع لبنان فيها؟


ج: حُققت إنجازاتٌ كبيرة في مبادرة الحزام والطريق منذ أن تم اقتراحها عام ٢٠١٣. حتى الآن هناك أكثر من ١٠٠ دولة ومنظمة أكدت دعمها لهذه المباردة، وهناك ٥٨ دولة و٢٨ منظمة دولية وقعت اتفاقية تفاهم للتعاون مع الصين تحت مبادرة الحزام والطريق، منها الحكومة اللبنانية، وفي مجال ربط البنية التحتية، عند نهاية العام الماضي، تم فتح ٥٧ خطًا صينيًّا أوروبيًا لسكك الحديد (رحلات مباشرة) من الصين الى أوروبا، وتم تسيير ٧٠٠٠ رحلة عبر هذا القطار، وهذه القطارات تنطلق من ٣٥ مدينة في الصين لتصل إلى ٣٤ مدينة أوروبية في ١٢ دولة أوروبية، ومع تسيير خطوط جوية مباشرة من ٤٣ دولة واقعة ضمن إطار منطقة الحزام والطريق. أما بالنسبة للتجارة البينية، ففي أحد عشر شهراً من عام ٢٠١٧، وصل حجم التبادل التجاري بين الصين والدول الواقعة على الحزام والطريق حوالي تريليون ومية مليار دولار أميركي، بزيادة ١٩% عن العام الماضي، وفي عام ٢٠١٧ وصلت مجمل استثمارات الشركات الصينية إلى ٥٩ دولة من دول الحزام والطريق، ووصل الاستثمار الإجمالي الى ١٤ مليار دولار أميركي، بزيادة ٣.٥%.
في مجال تسهيل التعاون المصرفي بات عدد الأعضاء المنضمّين إلى AIIB "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية" ٨٤ عضوًا، فيما أبدى لبنان استعداده للانضمام الى هذا البنك. بدأ هذا البنك في الاستثمرار في ٢٤ منشأة لبنى تحتية في ١٢ دولة هي دول أعضاء وفي هذا البنك وصلت مجمل القروض المقدمة إلى ٤ مليارات و٢٠٠ مليون دولار أميركي، إضافة إلى استثمارات وقروض من صندوق طريق الحرير الممول من الحكومة الصينية، وخدمات الائتمان المقدمة من شركات صينية للصادرات. في مجال التواصل الانساني تم توقيع ٦٢ اتفاقية تعاون علمي وتكنولوجي مع هذه الدول، وتم إقامة أكثر من ٢٠ مهرجانًا ثقافيًّا معها.
أما بين الصين والدول العربية فوصل حجم التبادل التجاري العام الماضي إلى 190 مليار دولار أميركي بزيادة ١٢% عن العام السابق، ومنها صادرات الصينية إلى الدول العربية ٩٨ مليار دولار أميركي، وواردات ٩٢ مليار دولار أميركي، وهذه أرقام تشير إلى تقدم هذا التعاون ومدى إقبال الدول الواقعة على حزام وطريق لأنّ هذا التعاون يخدم مصالح الكل.
لبنان تاريخياً شكل حلقة مهمة في طريق الحرير، أما اليوم فهو شريك طبيعي للصين في هذه المباردة، في وقت أبدت القيادة اللبنانية رغبتها في التعاون مع الصين في هذه المبادرة، من خلال التوقيع على مذكرة تفاهم مع الحكومة الصينية، وأيضاً في المشاركة الفعالة لمسؤولين لبنانيين في مناسبات صينية حول هذه المبادرة، من خلال التعاون المستمر بين السفارة الصينية والأجهزة الحكومية للبحث عن إمكانية التعاون فيما بيننا في مشاريع لها جدوى اقتصادية واجتماعية جيدة.

 

س: لقد عقد الرئيس الصيني اجتماعًا تاريخيا مع رئيس كوريا الديمقراطية، هل أصبحنا أمام حل بدعم صيني لهذه القضية السياسية والإنسانية؟ وهل سنشهد رفعًا للحصار عن هذا البلد الصديق للصين؟

 

ج: خلال الألعاب الاولمبية الشتوية في كوريا الجنوبية، بادرت "كوريا الشمالية" بإيفاد ممثلين واللقاء مع مسؤولين في الجنوب، كما بادر الجنوب وأبدى استعداده للتواصل مع الشمال. كذلك لقاءُ الرئيس الصيني بالرئيس "الكوري الشمالي"، كان استمرارًا بالتوجه للانفراج في الملف النووي في كوريا الشمالية، لحل الملف بالطرق السلمية، وبعد هذا التفاعل الإيجابي، أبدت "كوريا الشمالية" رغبتها باللقاء مع أميركا. هذا كلُّه تطورٌ إيجابي، وكان نتيجة للمساهمة الصينية بدفع الحل السياسي للأزمة الكورية، لأن في أي مواجهة عسكرية ستتضرر جميعُ الأطراف، على رأسها الصين وكوريا الجنوبية واليابان وخاصةً "كوريا الشمالية" وكذلك أمريكا.

 

س: كان للصين دورٌ أساسي في عملية الحفاظ على الدولة السورية ووحدة أراضيها، من خلال استخدامها حق النقض في مجلس الأمن لأكثر من مرة، مما منع أميركا من تحقيق مشروع التقسيم والتفتيت، ما هو دوركم اليوم في سوريا؟ وهل تساعدون الروس في عملية تحقيق السلام في سوريا؟ وماذا عن دوركم في إعادة الإعمار؟


ج: لعبت الصين دوراً كبيراً وايجابياً في الموضوع السوري، خاصةً في مجلس الأمن حيث ساهمت الصين بمنع أي تدخل عسكري أجنبي في سوريا باسم الامم المتحدة، والآن ما زالت الصين تتمسك بهذه المبادىء وتبذل جهودًا كثيرة لدعم الحل السياسي للأزمة السوريا، من خلال مشاركتها في المشاورات الدولية حول العملية السياسية في سوريا، ومشاركتها الفاعلة على مستوى ثنائي أو متعدد الأطراف لدفع الأطراف المعنية في سوريا للتوصل إلى اتفاق أو تسويةٍ حول الحل السياسي. ونحن على تواصل مستمر مع الحكومة السورية والمعارضة غيرِ المسلحة، وقريباً يمكن أن تعقد ندوة أو ورشة دولية في الصين لبحث إمكانية دفع الحل السياسي للأزمة السورية.
من الناحية الثانية، في المجال الإنساني، قدمت الدولة الصينية دفعاتٍ كثيرة من المساعدات الإنسانية للشعب السوري، ليس فقط في داخل سوريا إنّما في الخارج أيضًا، ففي لبنان قدمت مساعدات إنسانية مثل غذاء ومستلزمات حياتية وأدوية وأجهزة طبية إلى سوريين، ودعمت إيصال مساعدات إنسانية الى كل المناطق السورية، وتعاونت مع جهات حكومية في سورية ومع منظمات أهلية ودولية في سورية، ومع حكومات الدول المجاورة، منها الحكومة اللبنانية.
الجانب الثالث هو مكافحة الإرهاب، هناك داعش والنصرة وهم أعداء للبشرية ونحن مع المجتمع الدولي في مكافحته عسكرياً ومالياً وفكرياً، للقضاء على هذا الورم الخبيث. من المؤسف جداً أنّ سوريا، البلد الجميل، تدمر في الحرب. نحن نتعاطف مع الشعب السوري ومستعدون للمشاركة في عملية إعادة الإعمار لعدة أسباب، أولًا تعاطفنا مع السوريين، ثانياً قبل الأزمة كان التعاونُ الاقتصادي والتجاري جيدًا جداً بين الصين وسوريا، هناك ضرورة لإعادة هذا التعاون وتوسيعه، وثالثاً لدى الشركات الصينية القدرة لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار في سوريا وهناك شركات صينية كثيرة مهتمة بإعادة الإعمار. فاذا استقرت الأمور وخفّت المخاطر الأمنية ورفعت العقوبات المالية الأميركية والأوروبية، من المؤكد أنّ شركاتٍ صينيةً ستدخل وتشاركُ بفاعلية في إعادة الإعمار.

 

  • العدد رقم: 334
`


غادة حداد