في عيد "النداء": نستكمل المواجهة لتحقيق التغيير

لقد مرّت جريدة النداء بمراحل تاريخية استثنائية ومميزة، حيث كانت صوت الشيوعيين واليساريين وسائر التقدميين اليومي، ومنبر الطبقة العاملة والمقاومة الوطنية والمفكرين والباحثين لمخاطبة الرأي العام اللبناني والعربي عموماً.

كانت مهمّة توزيعها إبّان العمل السريّ محفوفةً بالمخاطر، حيث سجن العشرات من الرفاق خلال مهمات توزيع الجريدة في الأحياء والبلدات من قبل أجهزة الدولة. لكنّ ذلك لم يثبط عزيمتهم، بلّ استفزّهم عكسياً ليتحدوا القمع والمنع، وليضعوا أمامهم مهمة مقدّسة: حماية "النداء" من عسس الطائفيين والرجعيين، وتوزيعها إلى كل حيّ أو دسكرةٍ مهما غلا الثمن.

صدرت النداء في أحلك الظروف، حيث لم يثنها الاحتلال الصهيوني لبيروت في العام 1982 عن الصدور، وقام صحافيون مناضلون بإصدارها تحت القصف والحصار فكانت عنواناً للصمود والمواجهة، وكانت صوتاً لأهمّ ظاهرة في تاريخ لبنان الحديث، جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية. على صفحتها الأولى زفّت أهم عمليات جمول، وصار الحصول على نسخة من النداء مرادفاً لإظهار الدعم المعنوي والسياسي لعمل الجبهة في تلك الحقبة. عاشت النداء وسقط الاحتلال. مرّت عليها ظروف صعبة بعد أن دقّ هكسوس الطوائف نفير تكفير الشيوعيين لتتم تصفية عشرات المفكرين والمثقفين والصحافيين ومن بينهم كتاب في النداء، لكنّها استمرّت وصمدت رغم أن يد الاغتيال طالت أحد رموزها وأعمدتها وهو الشهيد سهيل طويلة. عاشت النداء واستمرّت ولم تمنح القتلة ما أرادوه.

عانت الجريدة ظروفاً استثنائية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والحرب الأهلية، حيث غابت كل مصادر الدعم، وأرغمتها القلّة على التحول من جريدة يومية إلى مجلة أسبوعية. في تلك الفترة، بدء موسم هجرة الصحافيين إلى حيث يرزقون. التحق بعضهم بمن كان يلاحقهم قبل سنوات قليلة، فيما ركب كثيرون موجة التطبيل والتزمير لمن كان يغدق على الاعلاميين المال. كشفت تلك الحقبة وجوهاً ممّن كان المال أو السلطة بوصلتهم. لكنّ الكثيرون غيرهم رفضوا الانحناء مع العاصفة. استمروا رغم الصعوبات. التحفوا النضال والمهنية والالتزام نبراساً لهم، بعيداً عن كل أشكال الانتهازية المختلفة عند أقطاب صراع زعماء الطوائف وأجنحة البورجوازية اللبنانية وأجهزة الداخل والخارج. توقفت النداء لسنوات صعبة، ثم عادت مجلة أسبوعية تعمل من اللحم الحي كي يبقى صوت اليساريين والتقدميين مسموعاً، وكي يبقى الاسم الذي ارتبط وجدانياً بتاريخ النضال الديمقراطي في لبنان مرفوعاً، وكي تكون هناك فرصة لإعادة استنهاض المجلة مجدداً مهما غلت الصعاب.

اليوم تحل ذكرى تأسيس النداء في ظلّ ظروف سياسية واقتصادية جهنميّة بكل المعايير. لقد فقد اللبنانيون وسائر المقيمين في السنوات الماضية قدرتهم الشرائية مع انهيار سعر الصرف الصاروخي، كما فقدوا مدخراتهم مع سطو المصارف على ودائعهم. هذه الضربة المزدوجة للأجر وللمدخرات حوّلت ما يزيد عن 70% من المقيمين إلى فقراء وشديدي الفقر بحسب كل المعايير. لكن، حذار من تجهيل الفاعل في هذه الجريمة. إذ، استنبطت قوى السلطة سرديات، في إطار الحرب الايديولوجية التي تخوضها من أجل تضليل جماهيرها، تقوم على اعتبار أن ما سبب الانهيار هو حالة الاعتراض الشعبي الواسعة الناشئة وعوامل خارجية حصراً، من أجل تبرئة الطبقة الحاكمة بمختلف صنوفها وأدوارها من مسؤولية الفعل الجرمي هذا. ولأن لا جريمة من دون مجرمين، لا بد لنا من التذكير الدائم بأن مسار الانهيار المحقق اليوم يعود إلى السياسات الاقتصادية التي اتبعت منذ انتهاء الحرب الأهلية حتى يومنا هذا، والتي قامت على تحالف حديدي بين الرأسمال المالي بقيادة المصارف من جهة والذين أوغلوا في نهب المال العام والخاص، والرأسمال الطفيلي بقيادة زعماء ميليشيات السلطة الذين استباحوا المال العام لأقصى حدوده من أجل توطيد زعاماتهم وملء خزائنهم وتأمين بعض الفتات للمحاسيب. هي عصابة واحدة بمنازل عديدة، حيث مهما اشتدت صراعاتها البينية، تلتفّ في تحالفات وثيقة لحفظ النظام القائم، تارة تحت شعار الحقوق وطوراً تحت شعار الديمقراطية التوافقية، كونه النظام الأمثل لحماية مصالحهم الطبقية والسياسية والمذهبية.

لذلك كانت الانتفاضة الشعبية المجيدة ردة فعل طبيعية على مسار الانهيار هذا، رغم كل ما قيل وسيق في مسار التضليل والتحريف الذي تنتهجه قوى المنظومة وأدواتها.

اليوم، ومع اشتداد الأزمة، يجري ربط مصير لبنان بملفات اقليمية ودولية عديدة، أبرزها موضوع ترسيم الحدود البحرية مع العدو الصهيوني من أجل إعطائه حصة أكبر من النفط والغاز المتوقع في الحقول الجنوبية، وأيضاً من أجل تحقيق مكتسبات سياسية عبر فتح مسارات التطبيع معه تحت ستار ترسيم الحدود واستخراج الثروة النفطية. وهنا لبّ الموضوع. ولا شكّ أن أرنب استدرار الغاز "المصري" ضمن خط الغاز "العربي" هو في السياق نفسه. إذ يهدف هذا المشروع إلى ربط لبنان غازياً وكهربائياً بمشروع توجد لدى دول عديدة يدٌ عليا فيه وهي مصر والأردن وسوريا، حيث تستطيع كل واحدة منه وقف التفدقات وفرض الشروط في ظل الحاجة اللبنانية، لكنّ الأخطر والأهم هو أن هذا الغاز يأتي جزء أساسي منه من الغاز الفلسطيني المسروق، الذي يبيعه الكيان الصهيوني إلى مصر ومنها يأتي إلينا في مشهد أخرجه الأميركيون ولعبت فيه دول الإقليم دور الكومبارس. ويصبح المشهد واضحاً في ظل وجود يد واحدة صهيونية عليا فوق أيادي دول العبور. مشاريع تطبيعية متكاملة تنخرط فيها قوى ودول، ويجري معها ربط لبنان في مسار لن يستطيع الخروج منه. وعلى الجانب الآخر، تعيش القوى الفاعلة محلياً واقليمياً حالة انتظارية طويلة لمسار مفاوضات فيينا، التي تحمل معها تداعيات كبيرة على ضوء مدى تفاهم أو تصادم الولايات المتحدة وإيران، وما ستعنيه كل وضعية من الاثنين في انعكاساتها على لبنان في ظل البحث الجاري بمصير هذا النظام المنهار والطروحات المرتبطة بالفدرالية من جهة وبالمثالثة المعلنة أو الضمنية من جهة أخرى.

لكنّ العامل الخارجي على أهميته، ترافقه استحقاقات داخلية شديدة الأهمية. ففي ظل الإفلاس المطلق لمصرف لبنان والمصارف الخاصة، تدفع وستدفع فئات اجتماعية محددة تكاليف هذا الانهيار. وتخوض قوى السلطة معركة محتدمة من أجل تحميل الفئات الفقيرة والمتوسطة أوزار الأزمة، وهذا ما تفعله منذ سنتين حتى اليوم، فيما تجري حماية كبار المودعين وكبار المتمولين وتسهيل تهريب عشرات مليارات الدولارات الى الخارج، واختراع ألاعيب نقدية تؤدي إلى خسارة الأجراء لأجورهم وصغار المودعين لمدخراتهم مقابل ازدهار مافيا الصرافين وعصابة المصرفيين تحت رعاية العرّاب رياض سلامة.

وفي هذه الظروف طارت أموال النقابات العمالية والمهنية التي تشكّل أساساً لتأمين التغطية الصحية لمئات آلاف العائلات، وأفلس الضمان الاجتماعي وبات لا يدفع سوى الفتات، وتتوقف صناديق ومؤسسات عن القيام بمهامها الصحية والاجتماعية. وفي حين كان أكثر من نصف اللبنانيين لا يتمتع بأي نوع من التغطية الصحية قبيل الأزمة، صارت اليوم الأغلبية الساحقة منهم دون تغطية فعلية، ليصبح الموت خياراً وحيداً أمام الفقراء المرضى، والخلاص خياراً متاحاً فقط لمن امتلك المال الوفير. الدفء بات امتيازاً لمن امتلك ثمن المازوت، والماء الساخن صار امتيازاً لمن وجد الى اشتراك المولد الكافي سبيلاً. نحن نعيش في ظروف عفى عنها الزمن منذ أكثر من قرن. هذه السلطة استطاعت العودة بلبنان مائة عام إلى الوراء بعد أن نهبت الطبقة الحاكمة الشعب ووضعته أمام مصير أسود.

أمام قتامة المشهد، لا خيار أمامنا سوى القتال من أجل مستقبل آخر ومن أجل انقاذ شعبنا من براثن النظام القاتل. لن يأتي المتسببون بالأزمة بحلول لها، وإن وزعوا أبر المورفين. لا حلّ لأي مشكلة من المشكلات القائمة إلّا بالتغيير السياسي الجذري الشامل. هو الطريق الأصعب لكنّه الوحيد، وهو طريق المواجهة. اليوم لا بد من مقاومة شعبية سياسية واسعة لهذا النظام وقواه الحاكمة، ومواجهة واسعة في كل الميادين، في الساحات والتظاهرات، والانتخابات النقابية كما في النيابية والبلدية، وفي التنظيم السياسي ونشر الوعي وتأطير الناس وتجميع القوى وبناء موازين جديدة تتيح تحقيق تغيير سياسي يفتح الطريق أمام الدولة العلمانية الديمقراطية التي تؤمن العدالة الاجتماعية بعيداً عن النظام الطائفي وسياساته الاقتصادية الريعية وتبعيته إلى الخارج القريب والبعيد.

وفي هذا السياق تأتي المعارك التي تخاض في النقابات من أجل تحريرها من سيطرة قوى السلطة، ومجدداً يخوض المعلمون انتخابات رابطة التعليم الثانوي في 23 كانون الثاني الجاري، بعد المهندسين وأطباء الأسنان والمحامين والصيادلة، وفي نفس اليوم سوف تقام تظاهرة شعبية أمام جمعية المصارف ومصرف لبنان. وتستمر المواجهة في الانتخابات النيابية المقبلة، ليس على قاعدة المشاركة لتسجيل الموقف بل على قاعدة المواجهة السياسية ومخاطبة الناس وعرض البرنامج البديل وتحريض الناس على كسر هيمنة الأحزاب الحاكمة، والوصول إلى لائحة وطنية تضم مرشحين يمثلون قوى اليسار والتقدم والعلمانيين والوطنيين والديمقراطيين وقوى 17 تشرين الطامحة إلى بناء الدولة المدنية العلمانية. هي معارك بأوجه مختلفة لكنّها كلّها بمضمون واحد: استكمال المواجهة الشعبية ضد النظام ومنظومته الحاكمة في كل زمان ومكان حتى تحقيق التغيير المنشود، تماماً كما ناضلت "النداء" طوال مسيرتها الوضّاءة.

 

مسؤول العلاقات الخارجية في المكب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني*