الشاهد الصامت
(الحلقة صفر)
من أوراق المقاومة - الجدران التي تتذكّر
كانت مجرّد شقة عاديّة في بناية عاديّة، في شارعٍ تغمره ضوضاء المدينة وأحاديث جاراتها. جدران تعلوها شقوق بسيطة، صالون صغير للاستقبال، وغرفتان للنوم. شهدت ولادات، وزيارات عائليّة، وقهوة الصباح، وضحكات أطفال. كانت تحمل رائحة الحياة البسيطة، حياة لم تختبر بعدُ مرارة الاحتلال أو حلاوة المقاومة.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة. بين عامي ١٩٨٣ و١٩٩٠، لم يُسجل هذا التحوّل في أي وثيقة رسمية، بل حُفر في ذاكرة الجدران نفسها. سُحبت السجادات العادية وُضعت مكانها خريطة كبيرة للمناطق المحتلة. لم يعد صالون الاستقبال يستقبل الأقارب، بل استقبل متطوعين جدد، وجوه شابة تتلألأ بالتصميم، يسمعون لأول مرة كلمات السرّ والتعليمات التي ستصبح دليل حياتهم.
في إحدى الغرفتين، حيث كانت تُخزّن البطانيات، تحوّل الفراغ إلى "ميدان تدريب" مصغّر. كان يأتي رجال من الجنوب، من رحم المعاناة، وجوههم محفورة بالتجربة، ليتلقوا تدريبات مكثفة وسريعة على أسلحة جديدة أو تكتيكات مبتكرة، ثم يغادرون كما أتوا، مختفين في زحام المدينة.
أصبح باب الشقة نفسه "صندوق بريد" لا مرئي. رسائل مُشفّرة تُترك وتُسحب في لحظات خاطفة. أحياناً، حزمة صغيرة ملفوفة بقطعة قماش، تحمل بين طياتها أملًا أو سلاحًا. وفي ليالي معتمة، كانت الشقة محطة انطلاق أخيرة، حيث تجمّعت ظلال صامتة لمجموعات مقاتلة، تتنفس آخر أنفاس الأمان قبل أن تنطلق، كالسهام، باتجاه مناطق الخطر.
ولم تكن الشقة للقوة فقط، بل للضعف البطولي أيضًا. تحوّل أحد أركانها إلى "مستوصف" سري. عاد إليها مقاتلون بعد غياب، وجسد أحدهم ملفوف بضمادات، وآخرون يحملون جراحًا لا تُرى، ليستردوا عافيتهم تحت سقف آمن. وكانت ملجأً للمطاردين، لأولئك الذين كانت اسماؤهم على حواجز "سلطات الأمر الواقع"، ينتظرون فيها بصبر، ليوم أو يومين، حتى تمر العاصفة.
ثم، كما بدأت فجأة، انتهت الفصل. ربما تغيّرت الظروف، أو انتقلت القيادة إلى موقع آخر. أُغلقت الشقة. نزعت الخرائط من على الجدران، ومُسحت بصمات الأقدام، وعاد الصمت.
لكنّ الصمت هنا مختلف. إنه صمت ثقيل، مُشبع بالذكريات. الجدران التي شهدت كل هذا لم تعد عادية أبدًا. هي تتذكّر. تتذكّر همسات الخطط، أنفاس الخائفين، عزم الشجعان، رائحة القهوة التي كانت تُقدّم للمتطوعين، وعبق التضحيات.
اليوم، قد يسكنها عائلة جديدة لا تعرف تاريخها، أو قد تكون خاوية تنتظر مصيرًا مجهولاً. لكن قصتها لم تمت. هي حية في روايات من عاشوا تلك الأيام، أصبحت أسطورة تُحكى بين المطلعين، جزءًا من نسيج تاريخ مقاومة شعب رفض الانكسار. لم تعد مجرّد شقة، بل تحوّلت إلى وثيقة حية، شاهد صامت على أن البطولة كانت، ولا تزال، تختبئ في أبسط الأماكن وأكثرها إثارة للدهشة.
" هذه حكاية مكان من عدة أمكنة اخرى "