مناضلون بلا عنوان جمعتهم الحرب والمقاومة وقضية الوطن

0
0
0
s2smodern

 خلال عدوان تموز 2006، نزح المواطنون بأعداد كبيرة إلى مناطق بيروت، الجبل والشمال. وتحولت مراكز اتحاد الشباب الديمقراطي الى خلايا نحل، عملت على تأمين المسكن والخدمات الصحية والاجتماعية للنازحين، في استمرار لدور تاريخي قام به الاتحاديون منذ السبعينيات.
عندما كنّا نقرأ عن المقاومة ودور منظمتنا فيها، كان أول ما يتبادر إلى أذهاننا المقاومة المسلحة، وبطولات رفاقنا الأسرى سهى وداوود... لم نكن نعي أهمية العمل ضمن إطار الصمود الشعبي، وكنا نحسب التطوع في الحروب عمل العاجزين، إلى أن اختبرنا العكس، وعلمتنا التجربة أن المقاومة بكافة أشكالها ضرورة.
للمقاومة أشكال عدة، تنتجها جبهات مواجهة العدو في احتلاله وحروبه. ولبنان عرف كل هذه الأشكال.
ونحن نُسمّى بـ "جيل الحرب"، منّا من ولد إبّان الحرب الأهلية أو سمع عنها، ومنّا من عايش نهايتها في "حرب الإلغاء" في التسعينيات، ولكن معظمنا عايش عدوان  تموز العام 2006، والذي استمر 34 يوماً في مناطق مختلفة من لبنان، وما زالت آثاره محفورة في ذاكرتنا.


صباح الثاني عشر من تموز، كنا مجموعة من الرفاق الاتحاديين والشيوعيين نحط رحالنا بتجهيز الاعتصام المفتوح في ساحة الشهداء في بيروت تضامناً مع غزة. ووسط انهماكنا بالتحضيرات، وردت أخبار أسر جنديين إسرائيليين من قبل المقاومة الإسلامية، فسارع الرفاق، من سكان مناطق الجنوب الى التوجه نحو قراهم، خوفاً من تدهور الوضع، وهذا ما حصل حيث شن جيش العدو هجوماً جوياً على لبنان، مستهدفاً محطات الكهرباء ومطار بيروت وشبكة من الجسور.
وكعادتنا، نحن اليساريين، استعدينا للمواجهة. شابات وشباب لم يمنعنا الدمار، النزوح والقصف، من تجسيد طقوسنا المقدسة، ألا وهي العمل التطوعي والإنساني من جهة، والمشاركة في الإعتصامات والتحركات من جهة أخرى.
لم تهزمنا الحرب. حوّلنا اعتصامنا التضامني إلى مقاومة يومية، وتركنا منازلنا وتطوعنا في أعمال الإغاثة وفتحنا المدارس والمراكز للنازحين، ومنّا من واجه العدو بالسلاح إلى أن سقط شهيداً دفاعاً عن الأرض.
 
الاتحاد والصمود الشعبي
منذ بداية الحرب الأهلية، وأثناء العدوان الإسرائيلي المتكرر على لبنان في العام 1978، بادر اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني إلى المشاركة في أعمال الإغاثة، وقد تم إنشاء قسم الصمود الشعبي والدفاع المدني سنة 1982.
وعمل اتحاد الشباب الديمقراطي على إعانة أهالي القرى المنكوبة والنازحين من قراهم، وذلك عبر تأمين المساعدات لهم، من خلال تواصله مع المؤسسات الدولية غير الحكومية، خصوصاً اتحاد الشباب العالمي.
 في قسم الصمود الشعبي، عمل الاتحاد على فتح مراكز صحية عبر إنشاء مستشفى ميداني له في مركز وادي أبو جميل، وآخر في منطقة بعجور (الضاحية الجنوبية) وبالتعاون مع النجدة الشعبية، بالإضافة إلى إنشاء مراكز أخرى عملت على تأمين الإغاثة للنازحين (برج أبي حيدر، رأس النبع بالتعاون مع نادي الرواد).
كما تطوع الاتحاديون للمساعدة في بناء الملاجئ والطرقات والمنازل المهدمة والمراكز الصحية (مستشفى حكمت الأمين في النبطية ومستشفى صور الميداني).
وانخرط الاتحاد بفروعه وأقسامه بفعالية في دعم وصمود الشعب في مواجهة الاعتداءات الصهيونية - اعتداء تموز1993، ونيسان 1996، وتموز2006 - حيث تحولت فروعه إلى ورش عمل تطوعية للصمود الشعبي، لتأمين مقومات الصمود، وتوفير المساندة المطلوبة للنازحين (سكن ـ إغاثة عينية ـ إسعافات أولية ـ حملات تبرعات الدم ـ حملات التبرعات الشعبية لتوفير الماء والكساء والغذاء ـ العمل التربوي والترفيهي مع أطفال النازحين ـ إحصاءات...الخ).
 
الإغاثة خلال عدوان تموز
خلال عدوان تموز 2006 نزح المواطنون بأعداد كبيرة إلى مناطق بيروت، الجبل والشمال. وعمل اتحاد الشباب الديمقراطي على فتح 30 مركزاً لإغاثة النازحين. وتحولت تلك المراكز إلى خلايا نحل، عملت على تأمين المسكن والخدمات الصحية والاجتماعية للنازحين... وذلك عبر تعاون الاتحاد مع الهيئة العليا للإغاثة وتمويل من المنظمات الدولية غير الحكومية، أبرزها إتحاد الشباب العالمي وجمعية النجدة الشعبية اللبنانية.
كما عمل الاتحاديون وبالتعاون مع "النجدة الشعبية" على تأمين سيارة إسعاف على مدار الساعة في جميع مناطق الضاحية الجنوبية، إذ كان فريقا "الاتحاد" و"النجدة" أول المسعفين أثناء قصف منطقة الشياح.
أما في منطقة الجبل، فقد تم تشكيل هيئات إغاثة من قبل اتحاد الشباب الديمقراطي والحزب الشيوعي اللبناني وبعض الناشطين في الجمعيات، في ظل رفض وامتناع الحزب التقدمي الاشتراكي عن تقديم المساعدات للنازحين، وذلك بسبب بُعد سياسي وطائفي، وتخوف من عدم خروج الجنوبيين من الجبل، ما أثار جواً من القلق لدى الأهالي، وانقسامهم إلى فريقين: فريق رافض لوجود المهجرين وعمل على مضايقتهم عبر رفع أسعار السلع الاستهلاكية، وآخر عمل على تقديم كافة مستلزمات الصمود لهم. لذا بادر اتحاد الشباب الديمقراطي إلى فتح جميع المدارس الرسمية وبعض المنازل في الجبل، وإغاثة 10 آلاف نازح، وتأمين المواد الغذائية بالتعاون مع الهيئة الصحية في "حزب الله"، وتوفير الأدوية بالتعاون مع "النجدة الشعبية".
 
 تاريخ من تاريخ
اكتسبت قضية مقاومة الاحتلال الصهيوني وتحرير الوطن أولويات في عمل اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني، وعلى مدى سنوات طويلة تزيد عن عقدين من الزمن، واستمرت بأشكال مختلفة حتى التحرير والذي سبقته مبادرة الاتحاد بتحرير أرنون في 26 شباط العام 1999.  كما كانت للاتحاديين مشاركة مباشرة بعمل المقاومة الوطنية منذ تأسيسها، إذ سقط في صفوفهم أكثر من شهيد؛ سلام جابر، جورج حداد، فرج الله فوعاني...
ومع استمرار العدوان الإسرائيلي الهمجي على لبنان، واستمرار أبطال المقاومة في التصدي البطولي للغزاة، استمر اتحاد الشباب الديمقراطي في مسيرته النضالية ضمن إطار المقاومة وتقديم التضحيات، دفاعاً عن استقلال الوطن وعزته. إذ قرر "الاتحاد" التصدي للعدوان بكل الإمكانيات المتاحة منذ بدء العمليات العسكرية إلى جانب المقاومين الشرفاء. واستشهد خمسة مناضلين اتحاديين أثناء مواجهة العدو الإسرائيلي في حرب تموز 2006، وفيما يلي نبذة عنهم:
مكسيم جمال الدين (مواليد الجمالية ـ بعلبك 1987)، كان ناشطاً ضمن كشاف الاتحاد في الجمالية، خضع لدورات كشفية متعددة وحصل على مرتبة قائد كشفي. تولى منصب سكرتير فرع الاتحاد في الجمالية. كان طالب علوم حياة، وطموحه أن يصبح طياراً. حاز على تكريم من النادي الرياضي الذي كان يلعب به، إذ كان لاعباً محترفاً لكرة القدم. انتسب الى الحزب الشيوعي عام 2004، استشهد في 2/8/2006 أثناء عملية التصدي للإنزال الإسرائيلي على مستشفى دار الحكمة في بعلبك.
حسن عوض جمال الدين (مواليد الجمالية عام 1986)، نشأ ضمن كشاف الاتحاد وحصل على مرتبة "عريف طليعة". كان منتسباً إلى فرع الضاحية في الاتحاد وناشطاً في فرع الجمالية. انتسب للحزب الشيوعي عام 2004، استشهد في بلدته في 2/8/2006 أثناء عملية التصدي للإنزال الإسرائيلي على مستشفى دار الحكمة في بعلبك.
علي حسين نجدة (مواليد صريفا 1976) أسس فرع الاتحاد في صريفا عام 2000، وكان رئيس الفرع. كان مثالاً للتضحية والعطاء حتى تاريخ استشهاده في مواجهة العدو الإسرائيلي بتاريخ 19/7/2006.
حسن سلامة كريم (مواليد صريفا 1979)، عضو قيادة فرع صريفا. كان ناشطاً وفعالاً في المنظمة. عمل في كهرباء السيارات وهو المعيل الوحيد للعائلة. انتسب للحزب الشيوعي اللبناني عام 1998، استشهد في مواجهة العدو الإسرائيلي بتاريخ 19/7/2006.
فضل محمد بسمة، (مواليد البازورية 1988)، انتسب للاتحاد عام 2002، ثار على الوضع الطائفي الاجتماعي الذي وجد فيه. وكان متسامحاً مع الجميع ورحب الصدر. وأفاد أحد رفاقه بأن فضل تمنى قبل يومين من عدوان تموز عودة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية واستشهاده فيها. استشهد في 16 تموز أثناء مساعدته للنازحين بالقرب من صالة مطعم والده، والذي كان يأوي فيها 90 شخصاً، إذ كان "فضل" يعمل على تأمين كافة مستلزمات الصمود لهم.
 

  • العدد رقم: 295
`


كاترين ضاهر