التجييش الطائفي في أزمة العقل اليميني

جرت أمس جريمة اختطاف المواطن باسكال سليمان، الذي يشغل منصب منسق منطقة جبيل في حزب القوات اللبنانية، وتلقينا اليوم ببالغ الحزن نبأ مقتله على يد خاطفيه لأسباب لا تزال غامضة، على الرغم من تقديم الأجهزة الأمنية رواية تؤكد أن دافع الجريمة يكمن في نية سرقة السيارة.

لم يمض وقت طويل بعد انتشار الخبر حتى اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي غضبًا واستنكارًا لهذه الجريمة، وارتبط هذا الغضب بحملة من التجييش الطائفي والمذهبي كادت أن تدفع البلاد إلى حافة الانقسام الداخلي.
رصدنا أمس بقلق شديد جماهير الأحزاب الطائفية توجيه اتهاماتها، فالخيانة تعدّ دائمًا تهمة جاهزة وسلاح يُستخدم لاستهداف الخصوم، كما يُسعى بعض الأفراد للتشكيك في لبنانية بعضهم ونعتهم بالدخلاء على النسيج الوطني اللبناني، وهذا يعتبر سلاحًا قديمًا في الصراعات الطائفية.
يميل المراقب العادي بسهولة إلى الاعتقاد بأن الأزمة تعتبر أزمة طائفية بحتة، وأن الفصل الذي وقع أمس وما زالت آثاره مستمرة اليوم هو مجرد فصل آخر في قصة الطوائف في لبنان. يعتقد البعض بصعوبة فصل بين هاتين الكلمتين: لبنان والطائفة.
في عقول البعض ووعيهم الجماعي، يُعادل لبنان الطائفة، والطائفة هي لبنان. وفي هذه الرؤية، لا وطن دون الطائفة، فالطائفة تشكل جوهر الوطن والوطن يعتبر مجالًا حيويًا للطوائف. تتصالح وتتصارع الطوائف في هذا المجال، فهي مالكة الساحة. أليس أنشأ هذا الوطن الذي نعيش فيه على أساس طائفي؟ وبمبادرة طائفية واضحة المعالم؟
كيف يمكن لنا نحن الاشتراكيون أو العلمانيون أو اللا طائفيون أن نتحدث بجرأة حيال الطوائف؟ كيف يمكن لنا أن نطرح السؤال: ماذا تفعلون أيها المجنونون؟ كيف يمكن لنا أن نقول كلمتنا في وطن أسسته الطوائف للطوائف؟
فنحن في عيونهم دخلاء وغرباء عن النسيج الوطني (الطائفي)، نكاد نبدو في نظرهم كالمخلوقات الفضائية التي مالبست وصولها إلى الأرض، أرض الطوائف.
ما شاهدناه البارحة ليس قضية "قلوب مليانة" كما يقول المثل الشعبي، بل هو العقل اليميني العنصري المشبع بالطائفية في أبهى حلله. هو العقل اليميني في أزمته الدورية الدائمة، واضعاً أمامنا كل مقوماته وكل ملامحه.
هذا الفكر يقوم أولاً وأخيراً على تحديد الآخر المختلف، الآخر البربري الهمجي الذي "لا يشبهنا". ولا يخطئ البعض الظن فلا يمكن للآخر أن يخلع عنه هذه الصفة لا يمكنه أن ينتقل من حالته البربرية إلى حالة الحضارة بمجرد الخضوع لروما كما كان الأمر عليه في عهد الإمبراطورية الرومانية. آنذاك كان يكفي للبربري أن ينضوي تحت لواء روما ليصبح مواطن روماني. لكن في العقل اليميني اللبناني إن هذا الانتقال مستحيل لا بل فرضية إمكانية وجود هذا الانتقال تضرب البنية الفكرية اليمينية بالصميم. فالآخر محكوم عليه أن يبقى كذلك لأنه إذا انتفى سقطت بنية العقل اليميني على رؤوس مؤيديها وناشريها.
ما حدث الأمس ليس مجرد حادث أمني أسفر عنه ردود فعل عفوية، بل يُظهر التجييش الطائفي والحزبي على هشاشة السلم الأهلي في لبنان. فأي حادثة، حتى لو لم تكن لها أي خلفية سياسية، قد تُفسر فورًا كاعتداء من الآخر الغاشم على المجتمع "نا" الفاضل والحضاري. فالزنود والبنادق حاضرة وجاهزة دائمًا لردع الخطر الخارجي عن المجتمع المتجانس الواحد، الذي لا يعتريه أي عيب ولا يحمل أي تناقض سوى التناقض الدائم مع الآخر الغريب. لا حدود لجنون هذا المنطق، فمعادلة نحن والآخر قد تنطبق في أي سياق، حتى في القرية الواحدة التي يعيش سكانها جنبًا إلى جنب منذ قرون. هذه المعادلة ليست بالضرورة طائفية، بل يمكن أن تأخذ طابعًا قوميًا، قرويًا، أو عشائريًا، أو غير ذلك من الأطباع والألوان. المهم هو الحفاظ على نقاء المجتمع الداخلي والحد، أو على الأقل التقليل، من التداول بين المجتمع والخارج. والأهم هو التمكن دائمًا من رسم الخط الفاصل الأبدي بين المجتمع الحضاري في العقل اليميني وبين الخارج الوحشي والمجهول.
في مناسبات عدة من تاريخ لبنان المعاصر والحديث، يمكن ملاحظة حركات شد العصب الهوياتي في لحظات الخنوع. يؤسفني أن أقول للمتابعين وللمتحمسين من بينهم بشكل خاص أن ما حصل الأمس ليس بجديد، وليس وليدة صحوة طائفية مفاجئة، بل هو تكتيك مدروس معتمد منذ وقت بعيد. نكاد نقول إنه تقليد لبناني عريق صمد في وجه التغيرات، ودفع إليه حين كان ذلك في مصلحته، ولكنه لم يتغير.
إذا أردنا ترك اللغة النظرية جانبًا، والتحدث بلغة أوضح أقرب إلى القلب والعقل معًا، فإن الوضع في لبنان والمنطقة خطير. فمن جهة، الحرب ما زالت مستمرة في الجنوب، حتى ولو لم نسمع صوت القصف في كل أنحاء الوطن. والمنطقة تتجه نحو تغيرات جيوسياسية حتمية ستغير وجه السياسة العالمية كما عرفناها إلى الأبد.
في مواجهة كل هذا، وبدلاً من العمل على توفير حلول وسبل لمواجهة الأخطار القادمة، نرى يمينيي لبنان منشغلين باختلاق المشاكل والفتن، وتكريس الانقسام الطائفي في نفوس الناس، مختبئين وراء شعارات السيادة والممانعة. ينشغلون في قطع الطرقات، محاولين إعادة إحياء ذكرى "الجيتو" العظيم، ويسكرون بالمشاهد الميليشياوية العصبوية.
أما دور القوى التقدمية، بخلاف تفاوت مواقفها وتباين قناعاتها، في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ الوطن، فهو العمل بكل جهدها وكل السبل المتوفرة لضمان السلم الأهلي، وعدم السماح للقوى اليمينية المتباينة على دفع الوطن نحو المزيد من البؤس واليأس والمصائب.

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 422
`


شربل شلهوب