العقوبات الأميركية.. مشروع فتنة

0
0
0
s2smodern

أقر الكونغرس الأميركي بالإجماع في نهاية العام الماضي، قانوناً يفرض عقوبات على المصارف التي تتعامل مع حزب الله اللبناني، المصنّف من قبل الإدارة الأميركية منظمة "إرهابية" منذ عام 1995. ويشار إلى أن هذا القانون هو قانوناً أميركياً من الناحية المبدئية، وهدفه غير المعلن هو ضرب صمود المقاومة الوحيدة في الدول العربية التي تقف في مواجهة مشاريع التحالف الإمبريالي ـ الصهيوني التقسيمية، وتهدد أمن وتوسع الكيان الغاصب ووجوده. وهذا القانون أيضاً لا يرتدي الصفة الدولية لأن توصيف هذا الحزب أو ذاك بالإرهاب ينبغي أن يصدر عن مجلس الأمن كي يكتسب صفة القانون الدولي. وبموجب القانون الصادر عن الكونغريس، قام مساعد وزير الخزانة الأميركية لمكافحة تمويل الإرهاب بتسليم حاكم مصرف لبنان لائحة أميركية من نحو 100 إسم (لشركات وأفراد)، طالباً إبلاغ المصارف اللبنانية وإلزامها بإيقاف حساباتهم "من دون نقاش". ويطرح هذا الواقع بالطبع تساؤلات تتجاوز الحدود الحدثية للمداولات الإعلامية التي راجت حول مضمون القانون وتداعياته المباشرة، وأبعاده البعيدة المدى، من زاويتين متقابلتين: زاوية الطرف الأميركي المهيمن، وزاوية الطرف اللبناني المستتبع.


أولاً- القانون من الزاوية الأميركية:
لا بدّ من التوقف عند بعدين مترابطين لحيثيات القانون الأميركي: بعد إقتصادي، وآخر سياسي. ويبرز البعد الاقتصادي كنتاج لتعاظم العولمة وإنفتاح الأسواق العالمية وتشعبها وتداخلها، وبخاصة ما يتعلق منها بالارتفاع غير المسبوق في حركة المبادلات والاستثمارات وتدفقات رؤوس الأموال المالية والمصرفية والتحويلات والمعلومات العابرة للحدود الرسمية للدول (التي تتم في معظمها بالعملة الأميركية). وفي ظل هذا المعطى الموضوعي الدولي المستجدّ، وجدت الدول المهيمنة - وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية - الفرصة سانحة للعمل على إحداث تغيير في القواعد الناظمة للعلاقات الاقتصادية الدولية، وعلى إستحداث معايير وآليات جديدة ترعى حركة إنسياب تدفقات رؤوس الأموال بين دول العالم. وما من شكّ في أن الهدف الحقيقي لهذه التعديلات كان وما يزال يتمثّل في إحكام سيطرة هذه الدول وشركاتها العملاقة على مجمل مفاصل الاقتصاد المالي العالمي المتجّه - بفعل العولمة - نحو التشكّل في صيغة "قرية كونية". وفي إطار هذه التعديلات، صدرت العديد من القوانين والقرارات الأميركية، هذا مع العلم أن معظم هذه القوانين والقرارات الإستثنائية هي عابرة للدول وتُناقض بالتالي مبدأ إقليمية القوانين. وقد جرت محاولات محمومة للتستّر على هذا الهدف الحقيقي، بحجج شتّى من بينها مواجهة تكاثر المخاطر الناجمة عن الجرائم المالية والتهرب من الضرائب وتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، مع ضرورة الإشارة إلى أن هذه الظاهرات كانت كلها ملازمة بنسبة أو أخرى لمختلف مراحل تطور النظام الرأسمالي العالمي، ولكنها إتجهت نحو التفاقم في زمن العولمة، مع عودة إنبعاث الأشكال الفجّة للنيوليبرالية. وفي المحصلة العامة، تمخّضت تلك التعديلات في المقام الأول عن مصادرة دول المركز الرأسمالي للجزء الأكبر من القرار الاقتصادي والمالي الوطني لمعظم بلدان العالم الثالث. وليس ما نشهده اليوم من مسعى لفرض عقد إذعان على لبنان ـ عبر هذا القانون ـ سوى غيض من فيض من نتائج هذه التوجّهات.
أما البعد السياسي للقانون الأميركي، فإنه يندرج في صلب التوجهات الاستراتيجية الثابتة التي توسّلتها الإدارة الأميركية تاريخياً في تعاطيها مع بلدان المنطقة، بهدف ترسيخ تبعية هذه البلدان - المحكومة أصلاً من أنظمة استبدادية وأوليغارشية خاضعة - ومواصلة نهب مواردها وخيراتها وتكريس التجزئة والانقسام فيها، وضرب كل شكل من أشكال المقاومة الهادفة إلى تحرير الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها فلسطين. وقد تجسّدت هذه التوجهات الاستراتيجية في تشجيع مختلف صنوف الغزوات الخارجية، المباشرة منها وغير المباشرة (عبر إسرائيل)، وفي تصعيد النزاعات الداخلية في دول المنطقة، والدعم المستتر أحياناً والمعلن أحياناً أخرى لعمليات تعويم التيارات الإسلامية ذي النزعة المتطرفة، بما في ذلك ظاهرة الإرهاب الفاشي الذي استشرى خصوصاً في زمن "الفوضى الخلاّقة" التي رفعت شعارها الإدارة الأميركية منذ مطلع الألفية الثالثة. وبهذا المعنى فإن القانون الأخير ـ الذي حرصت الإدارة الأميركية أن تسبغ عليه وعلى مراسيمه التطبيقية الطابع التقني والمفصّل ـ لم يكن سوى تعبير حاد ومتحيّز عن موقف سياسي استراتيجي بامتياز يستهدف إستئصال المقاومة وتجفيف عصبها المالي، كما يستهدف ـ كما ذكرته بعض الصحف الغربية ـ تعويض إسرائيل عن توقيع الولايات المتحدة للاتفاقية النووية مع إيران، فضلاً عن تعويض الأنظمة الرجعية عن إنهيار النظام السياسي العربي الرسمي، وعما حصدته هذه الأنظمة من إنتكاسات مخيّبة في مغامراتها السياسية والعسكرية المتنقلة من بلد إلى آخر في المنطقة. وقد لا يتردد البعض في القول أيضاً أن هذا الموقف قد يكون يستهدف، من ضمن ما يستهدفه، التعويض كذلك عن بدء التراجع الجيوسياسي الأميركي التدريجي من المنطقة، عبر السعي إلى حشد أسلحة بديلة "ناعمة"، قوامها القوانين والقرارات والتشريعات الدولية التي يجري فرضها فرضا على باقي بلدان العالم ـ وبخاصة البلدان العربية ـ من دون أيّ تغطية نظامية من جانب الأمم المتحدة.
ثانياً- القانون من الزاوية اللبنانية:
من المؤكد أن المأزق الذي يواجهه لبنان في تعامله مع القانون الأميركي، لا تقع مسؤوليته على الولايات المتحدة حصراً، بل هي تقع أيضاً على الطرف اللبناني، بدءاً من الدولة ومروراً بالطبقة البورجوازية المسيطرة (وبخاصة شقّها المصرفي والمالي)، وانتهاء بالجهة السياسية المعنية مباشرة بتطبيق القانون المذكور، أي حزب الله.
فمنذ إنتهاء الحرب الأهلية، تقصّدت الدولة اللبنانية (بالمشاركة مع الطبقة المسيطرة) الخضوع المطلق، للإملاءات التي كانت ترد اليها من دول "المركز" الرأسمالي عبر المنظمات الدولية المعنية، وعمدت إلى التمسّك الأعمى - ومن دون احترام الشروط المطلوب توفّرها - بسياسة التثبيت النقدي التي أدّت إلى دولرة شبه كاملة للاقتصاد والإدخارات والودائع المصرفية، وجعلت معظم وظائف العملة الوطنية تنتقل من الليرة اللبنانية إلى الدولار الأميركي، مكرّسة بالتالي تزايد الخلل والتشوّهات في توزّع الدخل وفي بنية الأسعار المحرّرة بالعملتين في الأسواق المحلية. وعبر "الزواج الكاثوليكي" بين هاتين العملتين، ضاقت، بل إنعدمت، الاستقلالية النسبية للسلطات النقدية والمالية اللبنانية في تعاملها مع أسواق المال والمصارف الأجنبية، لا سيما الأميركية منها، حيث أصبحت سياسات الدولة اللبنانية مقيّدة إلى أقصى حدّ بما تقرّره السلطات النقدية والمالية الأميركية في كل ما يتعلق بالتعاملات بالدولار بين مؤسساتها المصرفية والمالية والمؤسسات المماثلة القائمة في البلدان الأخرى. وبالطبع لم يتوقف إنبطاح الدولة اللبنانية أمام الإملاءات المعولمة عند الحيّز النقدي والمالي، بل هو تعدّاه منذ أواسط التسعينيات إلى حيّز المبادلات التجارية التي تمّ تحريرها ـ على حساب قطاعات الإنتاج الوطني ـ بسرعة تزيد عمّا كانت تطلبه المنظمات الدولية المعنية نفسها. وإلى جانب هذا الخلل المستشري في السياسات العامة للدولة اللبنانية، فإن الأخطر يتمثل ـ دستورياً وسياسياً ـ في ما آلت اليه أحوال المؤسسات العامة السيادية من تفكك وانهيار، بدءاً من الفراغ المتمادي في سدّة الرئاسة ومروراً بالتمديد المتكرر للمجلس النيابي وبالموت السريري لمجلس الوزراء، وانتهاء بالشلل المستحكم في معظم الأجهزة التنفيذية للحكم. ففي مثل هذه الأحوال العامة، من المشروع التساؤل: من يستطيع باسم هذه الدولة اللبنانية بالذات أن ينتزع من الطرف الرسمي الأميركي الحدّ الأدنى من التنازلات الممكنة في ملفّ العقوبات التي يهددنا بها القانون الصادر عن الكونغرس؟
أما الأقسام المسيطرة من البورجوازية اللبنانية، فإن مسؤوليتها عن المأزق الحالي تكاد تكون مضاعفة. فهي، من جهة أولى، وبخاصة في شقّها المصرفي، لم تقاوم السياسات المرتجلة للدولة في كل ما يتعلق بالشأنين النقدي والمالي، لا بل هي أوغلت ـ عبر نمط تعاطيها مع ملف الدين العام وخدمة الدين العام ـ في الاستثمار والتوظيف الأرعن في السياق المرسوم لهذين الشأنين، طمعاً بالأرباح المالية السهلة وذات الطابع الريعي التي أتاحت لها مضاعفة رؤوس أموالها الخاصة أكثر من 20 ضعفا في غضون عقدين، مقتطعة هذه الأرباح من أفواه ومداخيل العمال والفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، مع التجاهل الكامل لما ينطوي عليه هذا الموقف من مخاطر آجلة لا حدود لها، على البلد والاقتصاد المنتج والشعب عموماً وبخاصة المودعين. ومن جهة ثانية، فإنها لم تهيئ المؤسسات الاقتصادية والمودعين الأفراد للتعاطي المسبق مع المفاعيل المتوقعة من زلزال القانون الأميركي، منذ أن بدأ التداول بصيغه الأولى قبل عدّة سنوات. لا بل أن قسماً منها لم يتردد ـ في إجتماعاته المتكررة مع المفاوض المالي الأميركي في واشنطن وبيروت - في لفت نظر هذا المفاوض إلى تطبيقات للقانون أشدّ قسوة على الجانب اللبناني، كمثل تشجيعه شمول التعاملات بالليرة اللبنانية بمفاعيل هذا القانون (وهو الأمر الذي كان قد غفل عنه المفاوض الأميركي) بدل الإكتفاء فقط بالتعاملات المحقّقة بالعملة الأميركية. وهذا الأمر لا يمكن تفسيره إلا بانغماس هذا المكوّن من البورجوازية المصرفية اللبنانية في تبني ودعم الأهداف السياسية نفسها التي كان يسعى إلى تحقيقها "الراعي" الدولي (الأميركي).
وعلى الصعيد اللبناني أيضاً، يتسع المجال على نطاق واسع للحديث عن النصيب من المسؤولية الذي تتحمله الجهة اللبنانية المعنية بقانون الكونغرس الأميركي - والمقصود بالطبع حزب الله - حتى لو إرتدت هذه المسؤولية طابعاً غير مباشر. فالإنخراط القسري والمرتبك لهذا الحزب منذ مطلع الألفية الثالثة في "اللعبة" الجهنمية للحكم اللبناني الطائفي المتخلف، دفعه إلى الدخول في مقايضة مكلفة وغير سوية، عنوانها الأساسي: التمسك المطلق بالأولوية شبه الآحادية المتمثلة في الدفاع بأي ثمن عن شرعية سلاح المقاومة، في مقابل السكوت أو التغاضي عن موبقات نظام سياسي قائم على المحاصصة والزبائنية والفساد وعلى سياسات عامة مرتجلة تصبّ في خدمة القلة المتنفذة من اللبنانيين على حساب المروحة الواسعة من الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة. وهذا الفصل الأرعن بين قضية المقاومة والتحرير من جهة، وقضية التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي من جهة ثانية، جعل الحزب من الوجهة الموضوعية شريكاً عضوياً في مجمل السياسات العامة المنتهجة من جانب الحكم، بما فيها السياسات التي صاغت محاورها الأساسية إملاءات الدول المهيمنة والمنظمات الدولية الدائرة في فلكها. وهكذا يكون الحزب قد ساهم ـ عن وعي أو غير وعي - في تغطية اختلالات وأوضاع بنيوية داخلية مأزومة، هي التي سهّلت على الجانب الأميركي أن يوغل في محاولته فرض الحدّ الأقصى من شروطه الإذعانية على الطرف اللبناني. ويبقى هذا الاستنتاج قائماً حتى لو لم ينتفع الحزب ـ على حجم قياسه ـ من ثمرات النظام القائم، أسوة بشركائه من التشكيلات السياسية والطائفية المنتسبة إلى هذا النظام.
بناء على كل ما سبق، فإن قانون العقوبات الأميركي يعتبر خرقاً للسيادة الوطنية اللبنانية، وينذر بانعكاسات سلبية حادّة على الوضعين الاقتصادي والمالي، وبالتالي على الوضع الأمني في البلد، بما يمثله هذا القانون من مشروع خبيث أنتجته أيادي خبيثة، لإشعال فتنة داخلية في لبنان، لينضم إلى جغرافيا الإنفجار التي تجتاح العديد من الدول في المنطقة. إن هذا القانون يعبّر بشكل فجّ وصارخ عن طبيعة سياسة الهيمنة الأميركية المطلقة، وعن موقفها السياسي العدواني بامتياز الذي يستهدف استئصال المقاومة من خلال محاولة تجفيف مصادرها المالية. لذا، فإننا جميعنا مدعوون لمواجهة ورفض هذا القانون، بما يشكله من مسّ بالقرار السيادي الاقتصادي والمالي للبنان، وكتهديد للاستقرار الأمني الهش أصلاً في البلد، وهذا الرفض يجب أن يكون رفضاً شاملاً لكل سياسات الهيمنة والعدوان الأميركيين، وعلى الجميع في لبنان أن يعوا أن استقلال القرار السياسي والاقتصادي للبلد هو جزأ لا يتجزأ من معركة المواجهة والمقاومة للمخططات الأميركية التدميرية لمنطقتنا وشعوبنا.

  • العدد رقم: 316
`


كاترين ضاهر