المحلة الكبرى... حكاية تمرد مدينة

0
0
0
s2smodern


المحلة الكبرى، ليست إحدى المدن الصناعية بمحافظة الغربية فحسب، المحلة سواعد سمراء مجبولة بطمي النيل، امتزج عرقها بتروس ماكيناتها فغزلت للوطن ثوبا مطرزا بالكرامة. المحلة حكاية مدينة، أبت الظلم وتمردت على الإستبداد، في كل الأزمان، لتبقى شعلة متوهجة على الدوام للثورة المستمرة، ومعقلا من أهم معاقل معارضي الأنظمة الاستبدادية عبر التاريخ.
لقد مثلت احتجاجات عمال المحلة نقاط تحول مهمة في تاريخ مصر المعاصر، وتاريخا طويلا من النضال ضد استبداد نظام المخلوع "مبارك"، فقد كان عمال شركة غزل المحلة هم الشرارة الأولى ضد القمع الذى كان يمارسه نظام "مبارك" وأعوانه، وكان لعمال المحلة الدور الطليعي في ثورة يناير، دور لا يقل أهمية عن انتفاضة 2008، فخرج الألوف من الشركة في ميدان الشون ''ميدان الثورة''، في مسيرة من ساحة الإنتاج بشركة غزل المحلة حتى الميدان، وحثت من خلالها الأهالي للنزول والاعتراض على النظام، وتتابع دور العمال أثناء حكم المجلس العسكري وحكم تنظيم جماعة "الإخوان المسلمين" بالمعارضة على النظام حتى 30 يونيو وإسقاط حكم المرشد، فأغلقوا المصانع وخرجوا في مسيرة حاشدة منذ الصباح إلى ميدان الشون، واعتصموا بالوردية الثانية داخل ميدان الشركة بساحة الإنتاج، لينصب بعضهم خيمة كبرى فيه حتى رحل النظام إلى ما رجعة ولا أسف عليه.


وبعد نضالهم المرير، ما زال ينكل بهم حتى الآن. ومن جديد ينطلق عمال المحلة بإضرابهم مساء الأحد 30 آب الماضي، ليتسع حتى اليوم، بإضراب لا ينطوي عن كونه مجرد احتجاج عمالي للمطالبة بالعلاوة المُقرَّة قانونياً والحوافز والتي تحاول الإدارة التملُّص من صرفها للعمال، بل ليرسموا من جديد ملامح الخلاص أمام كل عمال مصر ويقودوا الطريق الوحيد لمواجهة الغلاء وسياسات الإفقار التي يتبعها النظام، فقد واصلوا... رافضين إنهاء اضرابهم قبل الاستجابة لجميع مطالبهم، لتشهد مصانع الشركة حالة من الشلل التام، وتوقفت ماكينات الإنتاج في الورديتين الصباحية والمسائية.
أما وقائع قصة تمرد مدينة فقد بدأت عام 1947 حيث قام عمال غزل المحلة بأول إضراب لهم للمطالبة بزيادة الراتب واحتجاجاً على المعاملة السيئة للعمال من قبل إدارة الشركة، فقامت الحكومة آنذاك بمحاصرة الشركة بالدبابات وإخراج العمال من الشركة بالقوة وفض الإضراب، ورغم ذلك كانت النتائج في صالح العمال، إذ تم رفع أجر عمال الإنتاج عدة ملاليم، وتحسين ظروف العمل ومنها إدخال لبس "الأفارولات" لأول مرة إلى الشركة بعد أن ظل عمال الشركة يعملون لفترة طويلة وهم يرتدون الجلاليب والقباقيب. وفى عام 1953 وعقب صدور الحكم على العاملين خميس والبقري بالإعدام في أعقاب الأحداث آنذاك، انتفض عمال غزل المحلة تأييداً لحركة عمال كفر الدوار مدينين الحكم الصادر، وقاموا بحملة لجمع التبرعات للعمال، كما أرسلوا مندوبين عنهم للتظاهر مع العمال في الإسكندرية وكفر الدوار. وفي فبراير 1975 أضرب ما يقارب من 30 ألف عامل من عمال غزل المحلة احتجاجًا على تدني الأجور، وقامت قوات الأمن بمحاصرة الشركة، فخرج العمال إلى الشارع والتحموا بالجماهير رافعين شعارا "نبيع البدلة ليه... كيلو اللحمة بقي بجنيه"، في إشارة إلى الحالة المتدنية التي وصل إليها العمال مما اضطرهم لبيع "أفرولات"... وأيضاً عام 1986 أعلن عمال غزل المحلة الإضراب عن العمل لمدة أسبوع كامل، مطالبين بإضافة الراحات الأسبوعية "أيام الجمعة" للمرتب، والتحم العمال المضربون بالجماهير في الشارع، وتم القبض على الكثير من قيادات الإضراب.
ويبدو أن الدور النضالي البطولي لعاملات غزل المحلة له تاريخ أقدم من إضراب ديسمبر 2006، حيث رفضت العاملات في إضراب 1986استخدامهن ضد زملائهن لكسر الإضراب ورفضن العودة للعمل دون الإفراج عن كل زملائهن المعتقلين، رافعين شعار "الإفراج قبل الإنتاج"، واضطرت الحكومة وقتها للتفاوض مع قيادات الإضراب في المعتقل، ووقعت عريضة تم بموجبها الاتفاق على إضافة جمعتين من كل شهر إلى المرتب لعام 1986 وإضافة الجمعتين الآخريين عام 1987، وانتصرت حركة العمال. كما قام عمال غزل المحلة (30 ألف عامل) عام 1988 بالتظاهر والإضراب عن العمل والاعتصام بمقر الشركة احتجاجًا على قرار مبارك بإلغاء المنحة التي كانت تعطيها الحكومة للعمال والموظفين مع بداية كل عام دراسي، وطافت تظاهرات العمال مقر الشركة رافعين نعشاً يرمز إلى الحكومة.

الحدث الأكبر
عام 2006 كانت الأجواء تدل على أن هناك ما يتبلور في مصر، الغضب الشعبي المكتوم يختمر ويتسع، لا منافذ سياسية للتعبير، الشعب يتحرر شيئاً فشيئاً من خوفه من السلطة، وفي السياق ذاته يتشكل جيل متمرد من أبناء المفقرين لم تستطع قوى سياسية تنظيمهم، في هذه اللحظة، بدأت القوى العمالية في توسيع حركتها بشكل جريء ومتواتر، لتعبر عن رفضها للفساد وتخريب الشركات، تطالب بأجور تتناسب مع الأسعار، كان الحدث الأكبر، إضراب عمال المحلة "ديسمبر 2006"، والذي شجع قطاعات عمالية أخرى على الاحتجاج، وقد مثل هذا الإضراب ضربة قوية لحالة السكون والإحباط بعد تمديد حكم المخلوع حسني مبارك لفترة رئاسية جديدة. وجاءت مواجهة النظام أيضاً، من عمال غزل المحلة "أحد أهم شركات الغزل والنسيج في الشرق الأوسط"، وكسر إضرابهم أيضاً سكوناً ساد الشركة منذ إضراب 1986، إذ توقف 10 آلاف عامل عن العمل، ثم سرعان ما انضم 24 ألف عامل للإضراب، شجع هذا التحرك عمال قطاع الغزل والنسيج، البالغ عددهم مليون عامل، لدخول موجة الاحتجاجات، وهو الأمر الذي يعني أن ثلث العمالة الصناعية في مصر تمارس فعلاً احتجاجياً متنوعاً ما بين التظاهر والإضراب والاعتصام. ثم سرعان ما انتشرت الاحتجاجات في كافة القطاعات الإنتاجية والمواقع الجغرافية، عبرت هذه الظاهرة عن مدى الغضب الشعبي، وجذبت فئات أخرى إلى الاحتجاج ورفع مطالبها، فأصبحت مصر صاحبة حصاد احتجاجي لافت في الفترة ما بين 2005 ـ 2010، وقد لا نبالغ إذا قلنا إن المصريين في تلك الفترة كانوا من أكثر الشعوب احتجاجاً، هذا المشهد حفز القوى السياسية على رفع سقف مطالبها وولد لديها إحساساً بضعف النظام، كما منح هذا المشهد القوى الشبابية الأمل في التغيير، ودفع هذا الوضع فئات شبابية لمساندة الحراك. وأمام هذا التصاعد لحركة الاحتجاج، صعّد النظام المواجهة، حيث شهدت العديد من المصانع تشريداً وفصلاً تعسفياً للعمال، ولم يغب قطاع الغزل والنسيج عن المشهد ولم تغب المحلة بطبيعة الحال، وتم تحويل عدد كبير من القيادات للتحقيق، والبعض نقل من الشركة لمحافظات أخرى. لم يكن عمال المحلة وحدهم، فقد شهدت الفترة من 2007 وحتى 2009 فصل ونقل وتشريد مئات القيادات العمالية. وتجاوز القمع العمال إلى فئات شعبية أخرى، حين تحول إضراب غزل المحلة في 2008 إلى انتفاضة شعبية شارك فيها عشرات الآلاف ومثّلت بروفة للثورة المصرية، ولعمال المحلة تاريخهم وتضحياتهم، كان منها واقعة نقل وتشريد عشرات العمال إلى محافظات حدودية بعد سلسلة إضرابات متتالية.
عودة إلى الماضي، جرى نقل بعض القيادات العمالية في 1986وفصل آخرين كان من ضمنهم عشرة قيادات أطلق عليهم عمال الشركة لقب "العشرة المبشّرين بالجنة"، ومع عودة الإضرابات في 2006، تكررت السياسة العقابية نفسها لنقل وفصل العمال، كان آخرها فصل ثلاث قيادات والتحضير لنقل عدد آخر على خلفية اتهامهم بتحريض العمال على الإضراب وتعطيل الإنتاج، لينضم كمال الفيومي ورفاقه المفصولين من عملهم إلى قائمة المضحين الذين دافعوا عن حقوق العمال. وإن كانت قيادات 1986 حملت لقب "العشرة المبشرين بالجنة"، فإن هؤلاء وغيرهم من العمال المحتجين الذين يرفعون العدالة الاجتماعية، هم القوة الوحيدة التي إذا انتظمت وتوحّدت سوف تستطيع تحقيق التغيير لكل فئات المجتمع، إذ إن العمال حين يدافعون عن أنفسهم يدافعون عن المجتمع ككل، وحين يتحركون فإنهم يمارسون الديمقراطية بشكل عملي، ويوسعون هامش الحريات، ويشلون أدوات القمع، ولأنهم "لن يخسروا سوى الأغلال"، فإنهم يقاومون ببسالة كل آلات القمع.
وفي 17 فبراير 2008 خرجت تظاهرة ضخمة لرفع شعار واحد فقط وهو الحد الأدنى للأجور لكل العمال، وطالبوا أن يكون هذا الحد 1200جنيه شهرياً، كان إضراب 6 إبريل الأقوى تأثيراً حيث شجع العديد من الحركات السياسية والإصلاحية آنذاك بعد تلقيهم إعلانًا من "عمال المحلة" لخوض الإضراب، وكانت حركة "6 إبريل" قد بدأت تدشينها بالتزامن مع دعوات الإضراب، حاولت قوات الأمن منع العمال، وكثفوا من تواجدهم داخل الشركة؛ ونجحوا في إخماد الإضراب، لم يلبث الأمر كثيراً، حتى تفاجأت الأجهزة الأمنية بانتفاضة شعبية قد خرجت في شوارع المدينة، وللمرة الأولى حطمت التظاهرات صورا لـ "مبارك" كانت معلقة في ميادين المحلة. ولم تهدأ الاحتجاجات حتى توجه أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء قبل ثورة 25 يناير، إلى المدينة بصحبة وفد وزاري، وتعهد بطرح سلع مدعومة في المدينة، وضخ استثمارات بشركة الغزل، اعترض عمال المحلة في ديسمبر 2012، على الإعلان الدستوري والمسودة النهائية له التي أعدها المعزول محمد مرسي. وفي ديسمبر 2014 رفضت الإدارة صرف أرباح العمال ما دفعهم للاحتجاج والتظاهر؛ وتقدموا بالعديد من الطلبات إلى مجلس الوزراء ومكاتب العمل لحل مشاكلهم، وبعد تفاقم الأزمة زار المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء مقر الشركة، ووعد العمال بصرف الجزء الأخير من الأرباح في أول يناير والمتمثلة في شهرين من أصل 6 أشهر قد صرف 4 منهم أول ديسمبر الماضي، إلا أن الإدارة لم تلتزم بالاتفاق، وأصدرت بعد زيارة "محلب" في أول يناير 2016 الذي وعد بحل الأزمة خلال شهرين، منشور يفيد بعقد جمعية عمومية 27 يناير وصرف باقي مستحقاتهم، إلاّ أن العمال رفضوا ذلك، وطالبوا بإقالة رئيس مجلس الإدارة وفتح ملفات الفساد وإحالة الفاسدين إلى النيابة العامة، وإعادة هيكلة الأجور، بالإضافة إلى مطالبهم بتنفيذ وعود رئيس مجلس الوزراء.
ولن أبالغ إذا قلت أن نضال عمال المحلة يفتح الطريق أمام اندلاع ثورة جديدة ضد الظلم الاجتماعي... ثورة تعيد توزيع الثروة لصالح المنتجين من عمال وفلاحين وتطيح بسلطة لصوص القوت.

  • العدد رقم: 320
`


ايهاب القسطاوي