مسيرٌ طويل -2- الصين في العصر الجديد..تنظيميا أيضاً

0
0
0
s2smodern

  منذ سنوات أعلن أمين عام الحزب الشيوعي الصيني شي جين بينغ، وبالاستناد إلى كلّ المتغيرات في الصين وعلى مستوى العالم، أن مسيرة تطور الصين دخلت في مرحلة جديدة، وأنّ على الحزب الشيوعي الصيني البدْء بتحضير نفسه للتصدي لمهام العصر الجديد.

ومنذ ذلك الوقت (عام ٢٠١٣) أُدخل الى أدبيات الحزب الشيوعي الصيني مصطلحٌ جديد هو "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد".
التغيرات في الواقع تستدعي تطوير الرؤية
إن التغيير والتطوير الدائمين لازَما مسيرة الحزب الشيوعي الصيني في كل مراحل حكمه، فلم يكن هناك أيُّ "مقدسات" تقف عائقا أمام الوصول الى هدف "نهضة الأمة الصينية وسعادتها" الذي وضعه الشيوعيون الصينيون نصب أعينهم منذ تأسيس الحزب في عشرينيات القرن الماضي، وفي كل المراحل كانوا يدخلون التعديلات التي تفرضها ضروراتُ التعامل مع الواقع من أجل تغييره، ولطالما كانت هذه التعديلاتُ تثير زوبعة من ردود الفعل والانتقادات، داخل الحركة الشيوعية العالمية وخارجها، والى اليوم الكثيرون لا يعتبرون الحزبَ الشيوعيَّ الصينيَّ حزبًا شيوعيًّا، والسبب هو الاجتهادات والتعديلات التي أدخلها الصينيون على النظرية حتى أصبحت تسمى "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، وهي نفسها ضمنت للحزب الاستمرارية، وللصين التطور والتقدم، ولشعبها الخروج من الفقر والبؤس نحو الحياة الكريمة(تم تخليص أكثر من ٧٠٠ مليون مواطن صيني من الفقر منذ بدَأ تطبيق سياسة الإصلاح والانفتاح حسب بيانات البنك الدولي)، طبعا هذا لا يعني أنه لم يكن هناك إخفاقات نظرية وعملية في مقاربة بعض القضايا بل على العكس، فإنّ الشيوعيين الصينيين نفسَهم يعترفون بذلك، وخلال مسيرتهم أعادوا محاكمة هذه الأفكار وأصلحوا الكثيرَ من الثغرات وأضافوا الجديد إليها.
وبالاستناد الى تقرير اللجنة المركزية أمام المؤتمر التاسع عشر(٢٠١٧)، فإنّ هذه المرجعياتِ الفكريةَ التي يسترشد بها الحزب يمكن تكثيفُها حسب تسلسلها التاريخي على الشكل التالي: الماركسية اللينينية وأفكار ماو تسي تونغ ونظرية دنغ شياو بينغ وأفكار "التمثيلات الثلاثة" ومفهوم التنمية العلمية. كما تمّ إضافة "فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية في العصر الجديد" خلال التعديلات الدستورية التي حصلت منذ شهر تقريبا إلى هذه المرجعيات والمبادىء، والتي يسعى الحزب الشيوعي الصيني من خلالها إلى تطوير خططه السابقة التي يتم وضعُها على المدى الطويل، والتي تهدف الى تحقيق التحديث الاشتراكي بحلول عام ٢٠٣٥، وأن تصبح الصين "دولة إشتراكية عظيمة وجميلة" بحلول ٢٠٥٠ (أهداف المئويتين).
ومن الناحية العملية فهذا يعني أن الحزب الشيوعي الصيني لديه القدرة على تطوير أفكاره ومحاكمتها وإدخال ما هو جديد إليها من خلال ربط النظرية بالممارسة، وبهذا الربط وحده يمكن قياسُ مدى تناسبِ الأفكار مع مهمة تغيير الواقع القائم نحو الأفضل، بعيدا من الجمود العقائدي، والأهم أن الحزب لديه الجرأة والقدرة على نقد الأفكار والسياسات والمرجعيات، حيث يمكّنه ذلك من القول إن هذا الفكر جيد، ولكنه بحاجة الى التطوير ليتناسب ومتغيرات العصر أي المهام الجديدة، وأيضًا ليتناسب مع الخصائص الصينية، من هنا تأتي هذه المرجعية الفكرية المركبة، والتي تختزن دروسَ كلِّ التجارب السابقة بإخفاقاتها وانتصاراتها، وهي تحتاج للنظر فيها بشكل دائم.
هل يمكن تحقيق كل ذلك من دون النظر في النظام الحزبي الذي سيقود الصين لتحقيق هذا الهدف؟
إن حكم بلد مثل الصين، بكل خصائصها، يستدعي التطويرَ الدائمَ في أساليبِ الحكم والقيادة، خاصة إن كان الحزب الحاكم يسعى للنجاح في تحقيق المهام، فكيف إن كانت هذه المهمة هي الوصول الى سعادة الشعب الصيني ضمن نظام إشتراكي حديث؟ هذا يستدعي الجرأة والابتكارَ الدائمَ في أساليب القيادة والتنظيم.
لذا وبما أنّ من يحكم في الصين هو الحزب الشيوعي، والذي يعبر عن نفسه بأنه يسترشد بالدرجة الأولى بالفكر اللينيني في التنظيم، فهذا يعني أن التعديلات التنظيمية تصبح ضروريةً لمواكبة المهام الجديدة التي يطرحها الواقعُ الجديد، فلينين لجأ إلى أكثرَ من شكل تنظيمي خلال مراحل الثورة، وإلى أشكال أخرى ما بعد نجاح الثورة ودخول مرحلة بناء الدولة، فلكل ظرفٍ سياسي شكلٌ يناسبه من أساليب التنظيم السياسي والعلاقات السياسية الداخلية، وفي الحالة الصينية اليوم، فنحن نتحدث عن شكل تنظيم سياسي يضمن الاستقرار والاستمرارية السياسية للحزب الحاكم من أجل إنجاز مهام "النهضة العظيمة"، فحسب الرئيس الصيني،دخلت الاشتراكيةُ ذاتُ الخصائص الصينية في مرحلة جديدة، والتناقض الرئيسي في الصين تحول الى التناقض بين حاجة الشعب المتزايدة الى حياة سعيدة وجميلة وما يعيق هذا الهدف أي التنمية غير المتوازية ولا الكافية، وهذا يعني طبعا أن الصين انتقلت الى المراحل الأولى من بناء الاشتراكية(هل فعلًا هذا هو التناقض الرئيسي في الصين؟ سيكون لنا عودة للإجابة عن هذا السؤال في مقال قادم)، لذا فمن الضروري أن يتم إنتاج نظام حزبي وسياسي جديد يتناسب مع هذه المهمات الجديدة.
وقبل الحديث عن بعض جوانب هذا النظام الجديد، لا بدَّ من الإشارة الى واحدة من أهم ميزات القيادة في الصين، وهي التخطيط المتدرج قصير وطويل المدى. فيمكن القول إنه حصرا في الصين يمكنك أن تجد خططاً تنموية تمتد لعشرات السنين القادمة(هناك خطط لسنة ٢٠٢٥ و٢٠٣٥ و٢٠٥٠). فمثلا، عندما طرح الرئيس الصيني مبادرة "الحزام والطريق" سنة ٢٠١٣ في كلمة له خلال مؤتمر دولي كانت مجرد فكرة، وكل متابع يومها لهذه الكلمة، كان يمكن أن يقول إنها ضرب من الخيال والوعود والأحلام (خاصة إذا كان المتابع من العالم العربي، فنحن نعيش على وعود حكامنا الفارغة)، الا أنه وبعد خمس سنوات على ذلك الاقتراح، أصبحت هذه المبادرة حقيقة واقعية، وضُخّ في مشروعاتها التي نفذت وتنفذ مئاتُ مليارات الدولارات، وهي مستمرة وبزخم قوي أيضا، حتى وصفها بعضُ الاقتصاديين بأضخم مشروع اقتصادي في التاريخ. هكذا مبادرة تدلّ على المنهجية التي يعمل بها قادةُ الصين، وهي قائمة على التخطيط قصير وطويل المدى والمتدرج في الوقت نفسه، والذي يحتاج الى الاستقرار والاستمرارية بشكل خاص، فلا يمكنك أن تضع خطة لمدة خمسين سنةً وأنت لا تضمن وجودك في الحكم لخمس سنوات قادمة.
لذا، وبناء على ما سبق، أتى النظام الجديد ليتناسب وهذا النهج في الحكم والبناء، أي التخطيط المتدرج الشامل والطويل المدى، فكانت إحدى أهم ميزات هذا النظام الجديد أنه يكفل (أو هكذا يطمح واضعوه) استمرارية الحزب في قيادة الصين "دون أن يؤدي ذلك الى تعسف الحزب الحاكم وتغييب الديمقراطية"، ففي الصين هناك سبعة أحزاب سياسية، "تشارك جميعها في وضع سياسات الدولة ضمن إطار المجلس الوطني للمؤتمر الاستشاري السياسي" ، والنظام الجديد يكفل "عدم حصول تنافس سلبي على السلطة بين هذه الأحزاب، منعا لأي اضطرابات سياسية تؤدي الى قطع استمرارية خطط التنمية الموضوعة".
هل سينجح هذا النظام الجديد؟
إذا عدنا قليلا الى التاريخ، الحزب الشيوعي الصيني هو حزب الثورة الشيوعية في الصين، وبهذا المعنى فهو الحزب الذي سيقود الصين نحو هذا الهدف العظيم، على ألّا يتحول الحزب نفسه إلى سلطة بالمعنى البرجوازي، وأي تعديل في هذه المعادلة سيؤدي الى ضربها بالكامل، أي إذا تخلى الحزب عن هدفه النهائي فهذا سيؤدي بالضرورة إلى عدم استمراريته بالحكم، وهناك كثير من الأمثلة في التاريخ الحديث على هكذا وضعية. ومن جهة أخرى إذا تم سحب السلطة من يد الحزب الشيوعي فهذا سيؤدي حكما إلى قطع الطريق نحو الوصول الى هدف سعادة الشعب الصيني لا بل والعودة إلى ما قبل الثورة أيضا (انظرْ الى العراق وليبيا تعلمْ ما يمكن أن تفعله الامبريالية ببلد لا يسير على هواها).
لذا يطمح واضعو النظام الجديد لأن يكفل استمرارية الحزب في قيادة الصين نحو هدفها النهائي، دون أن يكون هناك إمكانية لحدوث أي قطع في هذه العملية المستمرة، والتي بدأت منذ العام ١٩٤٩ وأثبتت أنها عملية ناجحة، حيث نقلت الصين من بلد زراعي متخلف يتقاسمه الاستعمار، إلى ثاني أقوى اقتصاد في العالم. ولكن هل سيتمكن هذا النظام الجديد من ضمان هذه العملية؟ طبعا لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال اليوم، أما الأكيد، فإن هذا النظام نفسه سيخضع للتعديل والتطوير في حال فشله في تحقيق المطلوب منه.
يبقى سؤالٌ مهم، من سيحاسب الحزب إذا أخفق وإذا تخلّف عن الثقة التي منحها الشعب الصيني له؟ باختصار، إن تجربة ٦٩ سنةً من حكم الحزب أثبتت أن هذا الحزب يحاسب نفسه بنفسه، وكل ما قلناه سابقا يدل على ذلك(التطوير والتغيير الدائمان على كل المستويات)، ويمكن أن نضيفَ معطى تاريخيًّا، الشعب هو من يعطي الثقة وهو من يسحبها، وعندما سيخطأ الحزب سيحاسبه الشعبُ وسيكون خارجَ الحكم تلقائيا كما حصل في عشرات التجارب السابقة في التاريخ. هذه العملية تطرح مجموعة من الأسئلة التي لم نتمكن من تلمس إجاباتٍ عنها مثل: كيف يمكن إشراك الجماهير بشكل أوسع في هذه العملية؟ ماذا عن علاقة كوادر الحزب بهذه الجماهير؟ والأهم، ماذا عن غربة الشباب الصيني عن نظامهم السياسي وعن السياسة بشكل عام؟ هذه أسئلة لم نجد لها أجوبة في النظام السياسي الجديد، ولكنها أسئلة محورية، حيث أن الغرب والولاياتِ المتحدةَ تحديدا تحاول يوميا إيجادَ خرق تتمكن من خلاله بزعزعة استقرار الصين، ونعتقد أن "الغربة السياسية" من جهة، وسيادةَ الأفكار الليبرالية لدى فئة الشباب في الصين، ممكن أن يكونا أرضيةً خصبة لصياغة مخططات غربية تسعى لزعزعة استقرار الصين.
أخيرا، يقول الرئيس الصيني أمام الشيوعيين في مؤتمرهم التاسع عشر "لقد أثبت التاريخ وسوف يبرهن باستمرار أنه لولا قيادة الحزب الشيوعي الصيني لكانت نهضة الأمة وهماً من الأوهام"، ويضيف "اذا أراد حزبنا أن يظل طليعةَ العصر والعمودَ الفقري للأمة، وأن يظل حزبا حاكماً ماركسياً، فلا بد أن يظل هو نفسه ممتازا...وأن يزيل كل الفيروسات التي تعدي جسمه السليم". هل سيتمكن الحزب من إزالة هذه الفيروسات فعلا؟ أو بشكل أدق هل سيستطيع الحزب تشخيص هذه الأمراض بشكل صحيح من أجل علاجها؟ الواقع وحده هو ميدان الإجابة عن هذه الأسئلة.

 

  • العدد رقم: 334
`


أدهم السيد