تونس: أوضاع الطبقة العاملة والشعب في تدهور مستمر

 ـ الانقلاب وانتكاسة وضع الحريات...
تعيش الحركة النقابية التونسية على وقع الأوضاع السياسية العامة التي تعيشها البلاد منذ انقلاب 25 جويلية 2021، هذا الانقلاب الذي قام به قيس سعيد ضد المؤسسات القائمة للاستفراد بالحكم مستغلاً الأزمة العميقة التي تردت فيها البلاد نتيجة حكم حركة النهضة وحلفائها لمدة عشر سنوات دون أن تعرف أوضاع الشعب تغيراً إلّا نحو الأسوأ.

استهدف الانقلاب المنجز اليتيم الذي عمده شعبنا بدمائه وهو منجز الحريات التي ركز سعيد أنها هي سبب تدهور أوضاع تونس وهي (أي الحريات) هي التي أتاحت حسب رأيه للأحزاب وللمنظمات والنقابات دهورة الأوضاع، خالطاً عن قصد بين أحزاب الحكم وبقية الأحزاب. إن قيس سعيد هو شعبوي يميني محافظ يعادي كل أشكال التنظم ويعتبرها وسائط لا داعي أصلاً لوجودها، فعلاقة الحاكم بالشعب يجب أن تكون علاقة مباشرة مثل علاقة الرب بعباده، لذلك تعرف تونس منذ تاريخ استفراد سعيد بكرسي الحكم تدميراً ممنهجاً للحياة العامة وللحياة الحزبية والنقابية تحديداً وهو ما أثر على حضور الأحزاب والمنظمة النقابية الأساسية الاتحاد العام التونسي للشغل، وللمنظمات الحقوقية والمهنية التي تعرف كل أشكال التضييق بمقتضى المرسوم عدد 54 الذي سنه لمصادرة الرأي ومحاصرة التعبير والذي تم على أساسه تم الزج بالعديد من النشطاء السياسيين والنقابيين والجمعويين والإعلاميين والمواطنين في غياهب السجون.
لقد أحدث انقلاب 25 جويلية انقساماً في الساحة السياسية والاجتماعية التونسية بين من ناهض الانقلاب ونبه إلى مخاطره منذ البداية وبين من سانده خاصة و‘نه خلص البلاد من حركة النهضة التي لوثت الحياة العامة ودمرت المسار الثوري الذي انطلق نهاية عام 2010، ولم تكن المنظمة النقابية بمعزل عن هذا الاستقطاب خاصة وأن قيادتها سارعت بمباركة المسار الجديد، لكن عداء سعيد للمنظمات وللنقابات جعل الطرفان يتجهان إلى القطيعة وهو الحال تقريبا إلى اليوم، فيما تعرف أوضاع الطبقة العاملة والشعب مزيد التدهور.
ـ الأوضاع الاجتماعية والمعاشية للشعب تختنق...
يتواصل التدهور كنتيجة لتواصل الاحتكام لنفس الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية من قبل مجمل منظومة ما بعد 14جانفي، وهي اختيارات الائتلاف الطبقي التابع المهيمن منذ عقود. فالثورة أحدثت شرخاً مهماً في شكل السلطة التي وقع تحويلها بقدر هام من الاستبداد إلى الديمقراطية الليبرالية، لكن طبيعة الدولة لم يمسها أي تغيير وحافظت الطبقات المسيطرة على نفوذها مع تغيير تعبيراتها السياسية التي كانت تاريخياً الحزب الدستوري منذ إمضاء بروتوكول الاستقلال السياسي، وقد عبرت أحزاب الحكم الجديدة (حركة النهضة وحلفائها) والقديمة (حركة نداء تونس كاستمرار للحزب الدستوري)عن نفس الطبيعة الطبقية والاجتماعية ونفس الارتباطات بالرأسمال الاحتكاري العالمي وبمؤسسات النهب مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وتمت المحافظة على نفس خيارات بن علي التي ثار ضدها الشعب. ولما مسك قيس سعيد كل مفاصل القرار معتمداً خطاباً شعبوياً للمغالطة لم تتغير الأوضاع لصالح الجماهير المفقرة التي أغدق عليها الوعود، وإن كان ثمة تغيير فنحو الأسوأ، فالخيارات استمرت كما هي وقد عبرت الميزانيات الأخيرة عن ذات التوجهات النيوليبرالية التي ظلت سائدة منذ عقود، وتؤكد كل المؤشرات عن حجم التدهور الذي طال كل مستويات حياة الشعب التونسي، فقد بلغت نسبة التضخم في جويلية الجاري 9.2%، وتجاوز معدل الضريبة على الدخل الخاص 35 % مع ارتفاع جنوني للأسعار وارتفاع لمعدلات الفقر (أكثر من أربعة ملايين فقير حسب وزارة الشؤون الاجتماعية) ووصلت نسبة البطالة 20 %. ويؤمّل رسمياً أن يبلغ عجز الميزانية هذا العام 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن تكون نسبة المديونية في مستوى 79.8% من هذا الناتج، علماً وأن الدولة أعلنت تجميد الانتدابات في الوظيفة العمومية والقطاع العام منذ سنة 2022 لمدة ثلاثة سنوات متتالية (عدا في قطاعي الأمن والجيش وبعض الوظائف المحدودة) ، هذا ويعرف الميزان التجاري العجز المتواصل إذ بلغ نهاية العام المنقضي 17069 مليون دينار فيما لا يكفي الاحتياطي من العملة الصعبة إلّا 119 يوم توريد.
هذا وتثير الأرقام الرسمية خاصة حول الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعاشي جدلاً دائماً إذ تولى رئيس الدولة في شهر مارس الجاري إقالة رئيس المرصد الوطني للإحصاء ساعات فقط بعد نشر المرصد لأرقام محيّنة حول عديد المؤشرات التي تؤكد تدهور الوضع الاقتصادي.
وتعرف أوضاع الطبقة العاملة تدهوراً بحكم تجميد الأجور وعدم الالتزام بتنفيذ الاتفاقيات مع الطرف النقابي، ودهورة ظروف العمل خاصة بعدم تعويض آلاف المحالين على التقاعد بما في ذلك في القطاعات الأساسية كالصحة والتعليم..، ويتظافر كل ذلك مع استمرار ظاهرة غير مسبوقة في تونس وهو ندرة مواد الاستهلاك الأساسية التي طالت رغيف الخبز والدقيق والحليب والبن والسكر...، كما تعرف الأسعار تصاعداً جنونياً طال كل الأساسيات، فيما تعرف الخدمات تراجعاً وتدهوراً بلغت مؤشراته حداً مفزعاً مثل استفحال الجريمة وتفاقم ظاهرة الهجرة اللانظامية التي تمسّ اليوم 10.6% من الشباب حسب دراسات لجمعيات مختصة، علماً وأن تونس هي معبر لهذه الهجرة غبر المتوسط إلى السواحل الإيطالية خاصة.
ـ الحركة النقابية تواصل الصمود وتستعد للنهوض...
ورغم صعوبة الأوضاع وتراجع حركة النضال في السنتين الأخيرتين إلّا أن الحركة النقابية في فصائلها وقطاعاتها الأساسية لم ترمِ المنديل، ومازالت تحافظ على جذوة المقاومة، ومازال الاتحاد رقماً هاماً في المعادلات العامة في تونس رغم الترهل الحاصل بفعل هيمنة البيروقراطية النقابية على مفاصله واتجاه قسم من النقابيين إلى مساندة السلطة. فقد انتظم يوم 19 فيفري المنصرم تجمع هام أمام مقر رئاسة الحكومة لعمال وموظفي القطاع العام دفاعاً عن الحق النقابي وتنفيذ الاتفاقيات، وقد تأكد في هذا التجمع القدرة التعبوية للاتحاد التي كلما أحسن توظيفها بضغط القواعد المناضلة إلّا وحققت مكاسب للعمال وللشغالين، ويستعد الاتحاد إلى تنظيم مظاهرة استعراضية بالعاصمة يوم غرة ماي.
إن الأوضاع في تونس تتحرك تدريجياً نحو استعادة النضال في أبعاده المختلفة، فقد بدأت أوهام الشعوبية تنقشع عن لفيف هام من شعبنا، فالشعبوية لم تقدم إلّا الخطب التي ملّها الشعب، و نوايا قيس سعيد بدأت تتبدد بعد أن وضع يده على مجمل منظومة الحكم وكتب دستوراً بنفسه لنفسه و صاغ نظاماً سياسياً هجيناً قاطعت مهازله الانتخابية أغلبية الشعب إذ لم تتجاوز المشاركة في مجمل مواعيده الـ 12%، وهو اليوم يستعد للاستحقاق الرئاسي في ظل ركود غير مسبوق يؤشر عن غضب متنامي وعن سخط كامن في الصدور ينتظر اللحظة المناسبة والدقيقة صفر للانفجار.
لقد شكلت الحركة النقابية التونسية فصيلاً هاماً في حركة نضال الشعب التونسي منذ جرة التحرر الوطني، وهي التي تحيي هذا العام مرور قرن على تأسيس منظمتها الأولى، جامعة عموم العملة التونسيين التي أسسها القائد العمالي محمد علي الحامي ورفاقه. والحركة النقابية كانت أحد أهم أدرع النضال والمواجهة ضد الدكتاتورية في عهدي بورقيبة وبن علي، وكان الاتحاد وخاصة قطاعاته المناضلة أحد حصون المواجهة إبان الثورة وبعدها. إن القوى النقابية الثورية والتقدمية تبذل اليوم جهداً كبيراً للاستعادة حركة النضال ضد خيارات التبعية والتفقير والاستبداد وذلك يقتضي ضرورة الدفاع المستميت عن استقلالية المنظمة والحركة النقابية التي تسعى الشعبوية الحاكمة إلى ضربها ونسفها وهو ما فشل سابقاً وسيفشل اليوم وغداً.

  • العدد رقم: 423
`


علي الجلولي