جمهورية الصين الشعبية والشباب العربي

يزداد الدور الذي تلعبه جمهورية الصين الشعبية بقيادة الحزب الشيوعي الصيني في منطقتنا، على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. وتشكّل هذه التطورات أهمية قصوى بالنسبة إلى الشباب العربي لأنّها تساهم في صياغة مستقبل جديد من العلاقات الدولية والتبادل التجاري والتعاون السياسي بعيداً عن سياسات الهيمنة والاستئثار وخلق الفوضى والحروب والنزاعات التي كانت سائدة حتى اليوم.

يزداد الدور الذي تلعبه جمهورية الصين الشعبية في منطقتنا على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. وتشكّل هذه التطورات أهمية قصوى بالنسبة إلى الشباب العربي لأنّها تساهم في صياغة مستقبل جديد من العلاقات الدولية والتبادل التجاري والتعاون السياسي بعيداً عن سياسات الهيمنة والاستئثار وخلق الفوضى والحروب والنزاعات التي كانت سائدة حتى اليوم.
لقد طبعت الثورة الفرنسية القرن التاسع عشر بطابعها وشعاراتها، في الحرية والعدالة والمساواة، كما طبعت ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى القرن العشرين بطابعها الثوري والاشتراكي، في محاولة بناء اول تجربة في العالم لمجتمع اشتراكي من دون استغلال طبقي. وكلنا ثقة ان تشكّل الصين الشعبيّة قوة دفع سياسية واقتصادية واجتماعية تستطيع أن تطبع القرن الواحد والعشرين بقرن التقدّم العلمي والتقني والاقتصادي والانتقال إلى الاشتراكية.
تقف البشرية اليوم أمام تحدّي تجديد إنتاج الحياة البشرية نفسها، بعد أن وصلت الرأسمالية الى حد مصادرة المزايا البشرية للإنسان، وهو ما يتطلب مواجهة النظام العالمي السائد، ودفع التطور التقني ـ العلمي ـ الذهني وصولاً إلى تجديد مقوّمات الحياه السوية على الأرض.
ويلعب استخدام العلم والتكنولوجيا دوراً أساسياً في هذا المسار من اجل ان يوظّف في كشف وإستثمار كل القدرات الجوهرية في الإنسان وتأمين الظروف لتطورها الحرًّ وتطور كلّ المجتمع، وانقاذ مصير البشرية من وسائل الدمار الشامل وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية في مجتمع رغيد يمنع استغلال الانسان لأخيه الأنسان ويؤمن متطلبات الحفاظ على الطبيعة والبيئة. تلك هي المهمة السامية التي تطرحها البشريّة اليوم أمام قوى التقدّم في العالم وفي طليعتهم الصين.
تعاني منطقتنا العربية من مشكلات متعدّدة تنعكس على كافة الفئات فيها، وبشكل أكبر على الشباب، ومنها:
1. الفقر، حيث تصل نسبة الفقر بين السكان بحسب الإحصاءات الدولية إلى حوالي 22% منهم، مع تفاوت هذه النسبة بين دولة وأخرى.
2. اللامساواة، إذ تشهد منطقتنا تركّزاً عالياً للثروة بيد قّلة قليلة، فيما تبقى فئات اجتماعية واسعة خارج مكتسبات التنمية والحقوق الاجتماعية الأساسية.
3. الفوارق الكبيرة بين المدن والريف، حيث تعاني المناطق الريفية من غياب الخدمات الصحية والتربوية والحرمان من الخدمات العامة.
4. تصاعد الهجرة واللجوء والنزوح الداخلي بسبب الصراعات الأهلية والحروب الخارجية، ما يهدّد أمن وسلامة واستقرار الملايين من الفئات الأكثر تهميشاً.
5. بطالة الشباب، خاصة أن المجتمعات العربية هي مجتمعات فتيّة عموماً، وفيها فئات واسعة ما دون سن 30 عاماً، وتنتشر بين هذه الفئة البطالة بأرقام مرتفعة، ما يدفعها إلى الفقر والحرمان أو إلى الهجرة.
6. التمييز الجندري، إذ تعاني النساء العربيات من ضغوط اجتماعية هائلة نتيجة الموروثات الدينية والاجتماعية البالية، كما تعانين قوانين الأحوال الشخصية، ومن ضعف فرص التعليم والعمل لهنّ، ما يضعهنّ تحت معاناة الفقر والتهميش.
7. برامج الرعاية الاجتماعية غائبة في العديد من الدول (خاصة الدول غير النفطيّة)، إذ تغيب التغطية الصحية الشاملة وبرامج تدريب وتأهيل الشباب، وبرامج مساعدات البطالة، وغيرها من الإجراءات التي تستطيع أن تؤمن بعض الحلول للفئات الفقيرة.
إنّ نضال شعوبنا العربية الشابّة من أجل تحقيق التقدّم والتطوّر والعدالة في دولها هو رافد أساسيّ ومكمّل لمسيرة التقدم التي تقودها الصين. ففي منطقتنا، تواجه الشعوب استغلالاً مضاعفاً من العدوان والاحتلال الصهيوني والأميركي من جهة، ومن نظم سياسية متخلّفة تنتج المزيد من الفقر والبؤس والاستغلال والشرذمة في مجتمعاتها. وهذا ما يجعل مهمّة الشعوب العربية في صناعة المستقبل المزدهر في بلدانها، مهمّة شاقة وصعبة تكثر فيها العوائق والمشكلات الداخلية والخارجية.
لكنّنا اليوم أيضاً، نعيش في عصر تتسارع فيه وتيرة التواصل والمعلومات، ووتيرة التقدّم الفكريّ والعلمي، وأيضاً وتيرة التحوّل العالمي نحو عالم متعدد الأقطاب. وهذا ما من شأنه أن يفتح أمام شعوبنا أفق وحلم بناء نماذج للحكم والسياسية والاقتصاد قادرة على تحقيق هذه التطلّعات. ومع تصاعد دور جمهورية الصين الشعبية على المستوى العالمي، سيكون المستقبل إلى جانب القوى الاجتماعية والسياسية التي ستحمل راية مواكبة المتغيرات الدولية ومحاكاتها على المستوى الداخلي في دولنا من أجل اللحاق بركب التطور والتقدّم بعيداً عن الهيمنة والاستتباع. فكما استطاعت الصين أن تنتشل مئات الملايين من تحت خط الفقر، وأن تتقدّم كي تصبح دولة علمية وصناعية وتكنولوجية، تستطيع دول منطقتنا، بحال وجدت السياسات المناسبة، أن تخطو خطوات مشابهة نحو المستقبل. أما بقاء الأمور على حالها على مستوى القيادة السياسية والسياسات المعتمدة، فسيترك شعوبنا رهينة لآفات الفقر واللامساواة والتمييز والتهميش.
هذا وتشكل مسيرة نضال شعوبنا العربية لتحقيق تحررها الوطني والاجتماعي، احدى روافد مبادرة الحزام والطريق التي تقوم على أساس الحوار بدل العدوان، وحسن الجوار بدل الاحتلال، والتنمية بدل الاستغلال والتخلف، والمنفعة المتبادلة وزيادة المساعدات الى الدول النامية بدل نهب ثروات شعوبها، وهو ما يشكل فائدة كبرى لشعوبنا العربية وللشعب الفلسطيني المقاوم للاحتلال الصهيوني على وجه الخصوص.
كما أنّ الشعوب العربية، وبشكل خاص الشباب منهم، يرون اليوم بشكل أكثر وضوحاً ان جمهورية الصين الشعبية ترفض تحقيق تنمية شعبها على حساب مصالح شعوب الدول الأخرى بخلاف ما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية، فيرون فيها صديقاً يستطيعون معه تحقيق المنفعة المتبادلة والتقدم المشترك.
لذلك نرى من جهتنا أن الأفاق مفتوحة للتقدّم والتطور والتغيير في منطقتنا، وأنّ آفاق البشرية، رغم تغوّل الرأسمالية وتوحّشها، قادرة على صناعة مستقبل رغيد للبشريّة، إذا ما واكبت القوى الصاعدة، ومنها جمهورية الصين الشعبية، نضالات الشعوب وقوى التغيير والتقدّم، وسعت مع أصدقائها في هذه الدول إلى تقديم نموذج جديد تستلهم منه الشعوب طريق تطوّرها.

*مداخلة ألقيت في المؤتمر العربي - الصيني الأول الذي نظمته جامعة زيجيانغ للعلوم الصناعية والتجارية (浙江工商大学)

**عمر الديب، باحث واستاذ جامعي، عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني

  • العدد رقم: 416
`


عمر الديب