العام الجديد وخيار التغيير

0
0
0
s2smodern

  مع إطلالة العام الجديد يتبادل الناس التهنئة والتمنيات والأمل بأن يحمل هذا العام الطمأنينة والتحسن في مستوى حياتهم ومعيشتهم الإجتماعية وظروف عملهم. لكن هذه التمنيات لا تتحقق من تلقاء ذاتها وتحتاج إلى جهد ونضال.


لقد علمتنا التجربة الطويلة، أن السنين تمرّ ولا تتوقف.. وأن الظروف تتبدل، ويتغير العالم... لكن وضع بلدنا ما يزال في الدوامة نفسها. وإذا من جديد فيه، فهو في التباعد المتزايد بين الواقع المأزوم، وبين غياب الحلول التي تلبي حاجات شعبنا وبلدنا. فالمشكلات تتكاثر. وينتقل البلد من أزمة الى أخرى... من تناقضات واختلافات، إلى انقسامات وخلافات. والمعالجات التي درجت الطبقة السلطوية على إعتيادها، لا تتعدى الترقيع في ثوب مهترئ... فالتسويات الفوقية تتم إما بين أطراف السلطة نفسها، أو بتدخلات ووساطات ووصايات خارجية، ترضي الزعامات السلطوية وتحاصصاتها، وتخدم مصالح سلطة الوصاية الخارجية. لكنها لا تشكل أكثر من تنفيس للاحتقان الناجم من تناقض المصالح بين السلطويين. وهي لا تغيب حتى تعود من جديد وبسلبيات أكبر، على البلاد واكثرية أبنائها الذين أخذوا يفقدون إن لم نقل فقدوا، الثقة والأمل في هذه الطبقة السلطوية. ومع ازدياد استيائهم من الصعوبات والأزمات المعيشية والحياتية التي ترخي بثقلها على كاهل الناس، يستمر الاستخفاف بقضايا الشعب والوطن، والتمادي بعدم المعالجة الحقيقية، حتى لأمور وقضايا تُعتبر في أي بلد آخر عادية جداً ومن الأولويات الحياتية، ولا تستلزم الإعجاز. مثل الكهرباء التي ما زال تقنينها القاسي كما لو أن الحرب الأهلية توقفت بالأمس. وكذلك بالنسبة إلى المياه التي لا يصل منها إلى منازل المشتركين أكثر من 10 او 12% من قيمة الاشتراك السنوي المدفوع. فيضعون على الناس عبء الاشتراك بالمولدات الكهربائية، وعبء صهاريج المياه، عدا شراء زجاجات (قناني) مياه الشرب. وتضاف إلى ذلك مشكلة النفايات والإهمال الفاضح في المعالجة، رغم النقمة الشعبية العارمة ونزول عشرات الآلاف إلى الشوارع بما يشبه انتفاضة شعبية ضد السلطة العاجزة وفسادها وإهمالها قضايا الناس وصحتهم. وما تزال مشكلة النفايات قائمة من عام الى آخر.. وفي سياق متصل تستمر ايضاً مشكلة تلوث الأنهار والمياه والبحر والبيئة بوجه عام، وتكتظُّ الطرقات بالسيارات وأزمة السير اليومية الخانقة، التي باتت ترهق أعصاب الناس وتأكل في صحنهم اليومي. ولا يرون أن لدى المسؤولين مشاريع لحل هذه المشكلة أيضاً بإعادة النقل العام (حافلات ومترو أو قطار سطحي) بصورة منتظمة... وفيما رائحة الفساد تزكم الأنوف، لا يحاسب الفاسدون (سرقة بدون حرامية؟ ) وبين أسباب كل ذلك، انعدام وجود تخطيط وسياسة إنمائية تلبي حاجات شعبنا الإجتماعية وبناء اقتصاد وطني منتج يتلاءم وظروف بلدنا، ويوفر فرص عمل لشبيبتنا... ولا يكفي هنا الوعد بالثروة البترولية المكتشفة في مياه لبنان البحرية، خصوصاً مع استشراء الفساد وخطورة استمراره، وانتظار ما يقرب من عشر سنوات حتى تبدأ مداخيل من هذا النفط إلى خزينة الدولة. ومع ازدياد المديونية الفعلية عاما بعد عام، وقد تجاوزت المئة مليار دولار، ازدادت معها خدمة هذا الدين. ويترافق ذلك بتدهور مستوى معيشة الناس وتصاعد تكاليف التعليم والصحة والدواء، واتساع البطالة، وزيادة نسبة من هم حول خط الفقر وتحت سقفه. ومع كل ذلك تستمر سياسة السلطة في خدمة مصالح كبار أرباب المال والاحتكار والشركات العقارية، الذين يمثلون قلة ضئيلة من اللبنانيين، ويتسارع انحدار مستوى معيشة فئات اجتماعية كبيرة من الطبقة الوسطى، إضافة إلى العمال والكادحين.
إن مجمل هذه الأزمات والمشكلات هي نتيجة عقود وسنين من سياسات الطبقة السلطوية نفسها ونظامها السياسي الاقتصادي الاجتماعي. ولا تتغير من تلقاء نفسها. فاهتمام اطراف هذه الطبقة كان وما يزال، بضمان مصالحها الخاصة والفئوية، ومصالح حلفائها القابعين في قمة الوضع الاقتصادي. ومن حسن المصادفة إن اكثرية شعبنا المتضررة من سياسات هذا النظام وطبقته السلطوية، لديها فرصة قريبة في الانتخابات النيابية المقبلة في شهر ايار 2018، لتترجم استياءها أصواتاً في صناديق الاقتراع، وممارسة دورها في المحاسبة، وفي اختيار من يعبّر عن مصالحها وقضاياها.
لقد آن الأوان ليتلاقى جميع المتضررين والمعترضين على هذه السياسة المعتمدة وسلبياتها على شعبنا وبلدنا.. فهم الذين بوسعهم صنع التغيير، وتشكيل استقطاب شعبي يضم جميع الأوساط السياسية والثقافية والنقابية والشبابية والنسائية والمدنية بعامة، التي تطمح إلى نهج إصلاحي ديمقراطي علماني، كأساس للخروج من تكرار المفاضلة بين هذا التكتل السلطوي أو ذاك تحت سقف النظام التحاصصي نفسه. فقيام محور شعبي يحمل قضايا الشعب والوطن ويجسّد مصالح الناس وحقوقهم، هو الخيار الفعلي للسير بالبلاد نحو بناء استقرار راسخ وسلم أهلي وطيد ووطن سيد، ودولة مواطنية وعدالة اجتماعية.