جنين: المجد لأبطال المخيم

منذ حوالي السنتين عادت جنين لتتصدر المشهد الفلسطيني المقاوم، فالمدينة التي شهدت أعتى وأشد معارك الإنتفاضة الثانية، هدأت لسنوات لتعود إلى الواجهة وليعود مخيم جنين "عش الدبابير" كما يسميه أبنائه حصناً للعمل المقاوم، وليؤكدوا على راهنية الشعار المرفوع على قوص مدخل المخيم:" مخيم جنين، محطة انتظار لحين العودة."

والعودة تعني تضحيات ودماء وعمل دؤوب، تعني فرض توازنات على جيشاً ظن ليوم أنه لا يقهر، فقهر في بيروت، في جنوب لبنان، في غزة، واليوم يحاول قتل الحالة المقاومة في جنين ظناً منه أنه يقضي عليها في المهد كيّ لا تقهره في قادم الأيام ولكنه حتماً سيقهر.
فبدأت قوات الإحتلال الإسرائيلي فجر الإثنين عملية عسكرية في مخيم جنين، تستهدف هذه العملية وفقاً لمزاعم الإحتلال البنية التحتية لفصائل المقاومة في جنين، تحديداً ورش تطوير العبوات الناسفة والصواريخ، كما تستهدف إغتيال أو إعتقال مجموعات من المقاومين المطلوبين للإحتلال.
لم تشكل هذه العملية مفاجئة للمقاومة الفلسطينية، فلطالما هددت حكومة العدو بعملية واسعة شمال الضفة الغربية في جنين ونابلس تحديداً. وتزايدت وتيرة التهديدات بشكل كبير في الأيام الأخيرة بعد العملية البطولية التي نفذها مقاومون عند مفترق مستوطنة "عيلي" والتي أدت إلى مقتل 4 مستوطنين.
تخشى الأوساط الأمنية الإسرائيلية من تحول شمال الضفة الغربية إلى غزة جديدة، نظراً للتطور النوعي لقدرات المقاومة وتحديداً إستخدام عبوات ناسفة جديدة نوعاً ما ومحاولات متكررة لإطلاق صواريخ من جنين في الأيام الماضية، وإذا ما ربطنا هذه التطورات الميدانية بالوضع السياسي الذي يمر به كيان العدو والمنطقة من حولنا، نستخلص أن العملية على جنين كانت مسألة وقت فقط.
مع أولى ساعات فجر الإثنين، بدأت قوات العدو بشن غارات على مواقع متفرقة في جنين زعم العدو أنها تابعة للمقاومة، وكانت الغارات مصحوبة بإقتحام واسع للمدينة بحوالي 150 الية عسكرية و10 جرافات مصفحة وبمواكبة من طائرات الهليكوبتر وطيران الإستطلاع، لتبدأ عملية الإقتحام البري المستمر لليوم الثاني على التوالي والمصحوب بتعزيزات عسكرية كبيرة، حيث حاصرت قوات العدو المخيم وجرفت الطرقات المؤدية إليه ونفذت عمليات دهم واغتيال واسعة، رافقتها ليل الإثنين عمليات تهجير لسكان أطراف المخيم بغية احتلال منازلهم.
ميدانياً، تتصدى المقاومة الفلسطينية لهذه العملية، حيث دارت ومازالت تدور إشتباكات عنيفة في معظم المحاور المؤدية للمخيم وفي بعض أحيائه، تستخدم فيها المقاومة الأسلحة الرشاشة والعبوات الناسفة محلية الصنع (الأكواع)، وبحسب البيانات المتتالية للأذرع العسكرية لمختلف الفصائل فقد تمكن المقاومون من إعطاب عدد من أليات العدو بعبوات متطورة تستخدم للمرة الأولى مما أدى لإصابة عدد من الجنود الصهاينة، كما أعلنت المقاومة إسقاط طائرتيّ إستطلاع صهيونيّتين في سماء المخيم. هذا وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن إرتقاء 10 شهداء فلسطينيين حتى الساعة ومن المتوقع إرتفاع عدد الشهداء خلال الساعات القادمة نظراً لحدة الإشتباكات.
في الجانب السياسي، يتابع رئيس حكومة العدو العملية بتفاصيلها، حيث يجري مشاورات أمنية مستمرة مع قادة الجيش والأمن ووزراء حكومته، نتنياهو نفسه الذي يعول على هذا النوع من العمليات لتحصيل مكتسبات سياسية تعزز من تماسك ائتلافه الحاكم بعد الهزات العديدة التي لحقت بهذا الإئتلاف في الفترة الأخيرة، وليظهر بصورة القوي أمام المجتمع الإسرائيلي المتعطش للدماء.
على الجانب الفلسطيني، ادانات من كافة الفصائل التي دعت عناصرها وأجنحتها العسكرية للتصدي بكل الوسائل للهجوم الإسرائيلي، بالرغم عدم التكافئ الهائل في القوة لصالح العدو إلا أن لا خيار للفصائل إلا بالمقاومة لردعه، هذه الفصائل التي توعدت بإستمرار العمليات في العمق الصهيوني، تلك الوسيلة الأنجح والأكثر ايلاماً للعدو الذي لا يفهم سوى لغة الدم. كما حذرت غرفة العمليات المشتركة في غزة من تداعيات العدوان على جنين وأعربت عن استعدادها لفتح المعركة إذا اقتضت الحاجة. أما السلطة الفلسطينية فدعت المنظمات الدولية لحماية الشعب الفلسطيني، وأكدت على وقف التنسيق الأمني رغم أن العدو يؤكد استمرار التنسيق ميدانياً.
دولياً، إدانات واسعة للعدوان على جنين، فقد أدانت معظم الدول العربية والعديد من دول العالم العدوان وكذلك دعت عدة دول أوروبية لضبط النفس وعدم التصعيد.
ختاماً، إن هذه السياسات الصهيونيّة الإجرامية المستمرة تجاه الشعب الفلسطيني لن تزيد هذا الشعب إلا إصراراً على خيار المقاومة، وما نشهده اليوم من غياب مطلق للسلطة الفلسطينية ولمطبلي أوسلو عن المشهد هو الفرز الحقيقي التي تشهده الساحة الفلسطينية. فرزٌ يفرضه الدم الفلسطيني حيث لا مجال للحياد. حيث يسقط أوسلو وأتباعه عند أقدام مقاومي جنين، ولجنين تاريخٌ مع الدم.

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 416
`


علي إسماعيل