من أوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر
مرَّ على هذه الشقة عشرات من الرفاق والرفيقات، كلّ منهم نقش ذكراه في جدرانها؛ منهم من غادر وهو يحمل في قلبه ابتسامة رفاقه، ومنهم من غادرنا إلى الأبد، تاركين وراءهم جرحاً لا يندمل وفراغاً لا يسد، شهداء سقطوا في ساحة الواجب أو أحياءً أُسِرَتْ أجسادهم لكن إرادتهم بقيت حرة بيننا.
في قلب هذه الحكاية، برز ثنائي أسطوري: الكسي وشيموزا. كانا ظلين لواحدٍ، خاضا معاً أغلب المهمات. شيموزا، بصلابته الفولاذية وإدراكه الثاقب، كان الانضباط المتجسّد الذي يتحوّل في اللحظة ذاتها إلى أب حنون يرعى رفاقه، أمّا الكسي، بقوّته التي تناقض نحافة جسده، فكان القائد الجريء الذي لا تفارق روحه الدعابة، فكانت نكاته شمعة تضيء ظلمة الأوقات العصيبة.
ولم تكن هذه القلعة لتبقى بغير فكر يغذيها، فأقمنا فيها مكتبةً صغيرةً حوت خيرة الكتب عن الأدب السوفيتي المقاوم، وحرب العصابات، وتجارب الثوّار، وكتب الفلسفة والسياسة، كي تكون سلاحنا الثاني بعد البندقية.
ذات يوم، انضم إليهم رفيق جديد قادم من أعماق عكار، غازي. كان طويل القامة، نحيلاً، ما يزال في مقتبل العمر، تاركاً مقعده في سنته الجامعية الأولى. خجولاً، مبتسماً، أبيض البشرة بشعر أشقر. كان ذكياً ومتحمساً، قليل الكلام، نهِماً في القراءة، يخدم كل من حوله. وسرعان ما أظهر موهبة فذة خلال التدريب وحنكةً فاقت سنه. بعد أولى عملياته الناجحة، أصرّ على البقاء معنا بدلاً من العودة إلى قريته أو جامعته. وبإصراره، وافقنا.
لكنّ قدرة المحتوم أصابته بجروح بالغة في إحدى العمليات، كانت لتنهي حياته لولا بطولة رفيقه الكسي الذي رفض تركه، وسحبه تحت النار إلى ملجأ آمن، لينجوا بفضل مزارع طيّب القلب. نُقل غازي إلى المستشفى بين الحياة والموتى، لكنّ إرادته انتصرت. عاد إلى الشقة أكثر صلابة، لكنّ الخبرة التي اكتسبها دفعت القيادة لاحقاً إلى فصله عن المجموعة لتوظيفها في عمل حزبي آخر أكثر حساسية.
أمّا الكسي، فبقي حتى أصيب بجروح خطرة هو الآخر. بعد شفائه، انتقل إلى منطقة أخرى تحت هوية مزورة، حيث واصل نضاله في أخطر المهمات وأُصيب مراتٍ عديدة، إلى أن انتهت مهمته بنجاح. لكنّ أسطورته انتهت باستشهاده وهو يقود إحدى مجموعات المقاومة في الجنوب المحتل، تاركاً وراءه كنزاً من الأسرار والذكريات.
لكنّ عماد هذه المجموعة وحجر الأساس فيها كان أبو عمر. لقد ترك بصمة لا تمحى في مسيرة المقاومة، ليس فقط بتكتيكاته، بل بتواضعه واحترامه العميق الذي كسبه من كل رفاقه. كان ابن الأرض، ابن الوديان والحقول حيث رعى المواشي مع والده منذ نعومة أظفاره،
هو من افتتح العمل المسلح للجبهة في القطاع الغربي لجنوب لبنان. وهو من قاد لأخطر العمليات التي ما زالت تُدرس في سجلات النضال. لم يكن مجرد قائد، بل كان مُربياً، زرع بذور المقاومة وربّى جيلاً كاملاً من المقاتلين الأكفاء، الذين استطاعوا مواصلة المهمة بعد أن اضطُر للمغادرة، حين اشتدّ عليه حصار العدو وتهديداته. كان مجرد وجوده بيننا في هذه الشقة مصدراً لا ينضب للثقة والقوة والطمأنينة. كان يجسّد بوجوده روح الأرض التي ناضلنا من أجلها.
لكن هذه الصلابة والأسطورية لم تمنعه من أن يكون عملياً ومرناً إلى أبعد الحدود عندما تتطلب الأمر ذلك. ولعلّ أطرف الذكريات التي شهدتها جدران هذه الشقة، كانت اليوم الذي ارتدى فيه أبو عمر ثياباً نسائية كاملة للتضليل، كي يتمكّن من عبور حواجز قوى الأمر الواقع التي كانت تبحث عنه باعتباره المطلوب الأول لديها.
لم يتمالك الرفاق أنفسهم من الضحك حالما خرج عليهم بهذا الزي؛ 'ملفّح' بمنديل نسائي يخفي قسمات وجهه الصلبة، مرتدياً 'عباءة' طويلة وحذاءً نسائياً ضاق به قدماه. لكن المفارقة الكوميدية التي أفقدت الجميع صوابهم كانت شعر ساقيه الكثيف الأسود الذي كان يظهر بوضوح من تحت أطراف 'العبيّة'، ليعطي 'الشخصية' انزياحاً مضحكاً عن المطلوب!
كان أبو عمر نفسه يضحك على نفسه في هذا الموقف، مؤكداً لنا أن وسائل النضال متعددة، وأن 'التنكر' أحياناً هو سلاح الضعفاء الأقوياء. لقد ضحكنا من كل قلوبنا في تلك اللحظة، لكننا كنا ندرك تماماً أن وراء هذه الكوميديا، قراراً شجاعاً وخطيراً لواحد من أبرز رموز المقاومة، كان مستعداً لتحويل نفسه إلى فكاهة لأجل أن يواصل مهمته.
هذه الشقة لم تكن مجرد جدران، لقد كانت بوتقة انصهرت فيها إرادات رجال ونساء صنعوا تاريخاً من النضال، بعضهم استشهد، وبعضهم غادر، لكن روحهم ما زالت تسكن المكان، تروي للأجيال القادمة أن المقاومة ليست سلاحاً فحسب، بل هي إرث من التضحية والأخوة وعرق الأرض.