الحركة الأسيرة ساحة متقدمة من ساحات المواجهة

يقول الثائر الأممي والصحفي والقاص يوليوس فوتشيك في كتابه الشهير "تحت أعواد المشنقة" ( فسيأتي وقت يكون فيه الحاضر ذكرى وسيتحدث الناس عن عصرٍ عظيمٍ، وعن أبطالٍ مجهولين صنعوا التاريخ، وليكون معلوماً أنهم ماكانوا أبطالاً مجهولين، وأنهم بشر لهم أسماء وقسمات وتطلعات وآمال، وأن عذابات أصغر هؤلاء شأناً ما كانت أقل من عذابات أول من خُلدت أسماؤهم).

جاءت كلمات الثائر فوتشيك من قلب معتقل الجاستابو والتعذيب الوحشي الذي كان يمارسه قوات “الأس الأس” النازية الفاشية بحقه وبحق مناضلي وثوار الحرية، لتؤكد أن أبطال الحرية ذخر الوطن وثروته القومية، وأن مهمة مقاومة المستعمر قامت على أكتاف هؤلاء الأبطال، ولذلك هم صنعوا التاريخ، وتصدوا للمستعمر الذي كان يسعى دائماً بخلاف سرقة الأرض إلى قتل الروح وتطويع العقل، محاولاً خلق أمة خاضعة مُستعبدة لا تقوى على المقاومة ومستسلمة لمصيرها ومنزوعة الإرادة، لكن تجارب التاريخ أثبتت أنه لا يمكن لأي استعمار أو احتلال أن يخضع شعب مصمم على النضال، وعلى انتزاع حقوقه، وفي وجود شعب يتقدم الصفوف فيه ثلة من المقاومين والمثقفين الشرفاء والأوفياء والأنقياء، الذين سخروا حياتهم وطاقاتهم في خدمة هذا التحرير.

ومن الطبيعي وفي إطار الاشتباك المفتوح أن يقوم المستعمر بإنشاء المعتقلات في محاولة منه لتحييد المقاتل والقيادات المؤثرة التي على أكتافها، ولكن دائماً ما كان يتفاجئ المستعمر بأن هذه المعتقلات تحولت إلى مجتمع متكامل، وأداة لتفريخ المناضلين والأفكار الثورية التي كانت عماد الحركات الثورية التي قاتلت المستعمر فانتصرت عليه.

وتعد تجربة الحركة الأسيرة الفلسطينية من النماذج الأكثر إلهاماً وإشراقاً وما زالت، فقد ساهم تصاعد المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني قبل وأثناء وبعد النكبة في بناء نواة مقاومة تمتلك من العزيمة والإصرار ما مكنها من خوض غمار معركة الحرية بتصعيد العمل المقاوم ضد العدو الصهيوني وثكناته الاستعمارية، وقد كانت المعتقلات الصهيونية التي أقامها الاحتلال إحدى قلاع المواجهة والتصدي والمقاومة لهؤلاء الأبطال للاحتلال، فقد تحولت معتقلات وسجون الاحتلال الصهيوني إلى مجتمع اعتقالي مقاوم، ومدرسة ثورية لإعادة وتأهيل الكادرات، لزجهم في ساحات الفعل النضالي، رغم أن الاحتلال أراد من هذه المعتقلات أن تكون بؤر للموت والهزيمة وتحطيم شخصية المناضل، وأدوات قهر وصهر للوعي.

وقد تعرضت الحركة الأسيرة إلى مختلف أشكال القمع والتنكيل نتيجة السياسات العنصرية بحقهم من اقتحامات وقمع ونقل، وسياسات اهمال طبي واعتقال إداري وعزل انفرادي، ومحاولة متكررة لسحب منجازات الحركة الأسيرة كما حدث مؤخراً بعد تشكيل الحكومة الصهيونية الجديدة، وتولي المجرم بن جفير ملف الأسرى إلى جانب ملفات أخرى. وفي إطار التصدي لهذه السياسات خاضت الحركة الأسيرة سلسلة من الخطوات والمعارك النضالية ضد السجان الصهيونية في محطاتٍ عديدة ومن أشهرها إضرابات أعوام 2000 – 2004 – 2011 والمحطات الفردية لكسر سياسة الاعتقال الإداري مروراً بإضراب الكرامة عام 2012 الذي كسر قيود العزل الانفراد، وقرار حرمان أسرى القطاع من زيارة ذويهم، وصولاً إلى إضراب الحرية والكرامة الذي استمر اكثر من 40 يوماً. هذه الإضرابات ساهمت في استنهاض نضال شعبنا وكان آخرها انتصارهم على السجان في الثالث والعشرين من مارس الماضي، تمكنت خلالها الحركة الأسيرة من كسر عنجهية المجرم بن جفير وفرض حقوقها العادلة على السجان الصهيوني دون حتى الذهاب إلى خطوة الإضراب المفتوح عن الطعام.

ولعل سياسة الإهمال الطبي تعد واحدة من أخطر وأقسى الجرائم التي يمارسها العدو بحق الأسرى، فهناك أكثر من 714 أسيراً مريضاً يعاني من أمراضٍ مزمنة كالسرطان مثل الأسير القائد وليد دقة وغيره والقلب والفشل الكلوي والربو وهناك حالات حروق وبتر وجرحى لم يجر الرعاية الصحية أو العلاج ، بما يعنيه ذلك اصرار الاحتلال على الموت البطئ، أدت إلى ارتقاء عدد من الشهداء في السنوات الأخيرة، كان آخرهم الشهيد القائد ناصر أبو حميد.

إن إسناد الحركة الأسيرة في مجابهة السجان ودعم مقاتلي الحرية يتطلب استخدام كل أشكال المقاومة وعلى رأسها المقاومة المسلحة لانتزاع حريتهم، وصولاً لوضع برنامج نضالي بمستوياته المحلية والعربية والدولية يستثمر الوضع القانوني للقضية الفلسطينية وعدالتها في ملاحقة العدو قانونياً في المحاكم الجنائية ومقاضاته على الجرائم التي يرتكبها بحق أبناء شعبنا وفي إطارهم أسرى شعبنا وخصوصاً جرائم الاعتقال الإداري والاهمال الطبي، وما يتطلبه ذلك التوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان للاعتراف بالأسرى الفلسطينيين كأسرى حرب ومناضلين من أجل الحرية لدولة محتلة أراضيها على أساس اتفاقي جنيف الثالث والرابع وملحق روما لعام 1977، وتوحيد المرجعيات القانونية والنضالية الفلسطينية وامتداداتها في هيئة ومرجعية قيادية واحدة وجسم شعبي لإدارة ملف الأسرى وإسنادهم في جميع المجالات.

وفي هذ السياق، ندعو إلى أوسع حالة دعم وإسناد وطني وشعبي وعربي ودولية للأسير المناضل المفكر وليد دقة الذي يعاني من أوضاعٍ صحية خطيرة، والاسير المناضل خضر عدنان الذي يخوض معركة الإضراب المفتوح عن الطعام.

وأخيراً، ستبقى المعتقلات الصهيونية ساحات مواجهة وعنفوان، يخوض خلالها الأسير معركة الحرية والكرامة حتى تحقيق حلمه بالحرية. وهنا نستحضر جملة ثورية شهيرة للقائد أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واجه خلالها السجان الصهيوني وموجهاً خلالها رسالة لأبناء شعبنا حيث قال*" أينما سأكون ستكون ساحة نضال. أنا لست ملكاً لنفسي، وإنما ملكاً للشعب، وغير مسموح لي بأن أضعف".

*عضو اللجنة المركزية العامة ومسؤول مكتب الشهداء والأسرى والجرحى في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 414
`


عوض السلطان