لكن الموضوع أبسط مما يبدو. فلنعتبر أن سعر الفائدة هو بمثابة "مكافأة" يمنحها لك البنك مقابل الاحتفاظ بأموالك لديه بدلًا من إنفاقها أو استثمارها. وعندما ترتفع هذه المكافأة (أسعار الفائدة)، تصبح الودائع والأصول المقومة بالدولار أكثر جاذبية، فيزداد الطلب على الدولار ويميل إلى اكتساب القوة.
أما الذهب، فيُعرف بأنه "الملاذ الآمن"، إذ يتجه إليه المستثمرون عادةً في أوقات الأزمات والحروب أو عندما تنخفض أسعار الفائدة، بهدف الحفاظ على قيمة أموالهم. إلا أن هذه العلاقة ليست ثابتة دائمًا، فقد تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى تقليل جاذبية الذهب، حتى في ظل التوترات السياسية.
أما النفط، فهو أحد أهم محركات الاقتصاد العالمي، لأن سعره ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل والشحن. وعندما تتعطل الإمدادات بسبب أزمة سياسية أو أمنية، ترتفع أسعاره، فتزداد معها كلفة إنتاج ونقل كثير من السلع والخدمات، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات التضخم.
فكيف يمكن ربط هذه المفاهيم بما يحدث اليوم؟
شهدنا مؤخرًا تصعيدًا عسكريًا بين الولايات المتحدة وإيران أعاد خلط الأوراق في الأسواق العالمية. ومع تزايد الحديث عن تشديد القيود على الصادرات الإيرانية، إلى جانب التهديدات بإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ارتفعت المخاوف من اضطراب الإمدادات النفطية. وسرعان ما انعكس ذلك على الأسواق، إذ سجلت أسعار النفط أكبر مكاسبها منذ أشهر، ليرتفع خام برنت إلى أكثر من 83 دولارًا للبرميل، قبل أن يقترب من مستوى 85 دولارًا مع استمرار التوترات. فكلما زادت احتمالات تعطل الإمدادات، ارتفعت أسعار النفط، وازدادت معها المخاوف من موجة جديدة من التضخم نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والشحن والتأمين.
أما فيما يتعلق بأسعار الفائدة الأميركية، فإن استمرار الضغوط التضخمية، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط وتجدد الصراع الجيوسياسي، يزيد من احتمالات إبقاء الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
ولا تقتصر تداعيات استمرار الحرب على الأسواق المالية العالمية فحسب، بل تمتد لتطال اقتصادات الشرق الأوسط بصورة مباشرة. فالمنطقة تعتمد بدرجات متفاوتة على الاستيراد والتجارة البحرية، وأي اضطراب في حركة الملاحة أو ارتفاع في كلفة التأمين والشحن سينعكس فورًا على أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والوقود. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد كلفة الإنتاج على المصانع والمؤسسات، ويرفع أسعار النقل، ما يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة تقلص القدرة الشرائية للمواطنين. وفي الدول التي تعاني أصلًا من أزمات مالية ونقدية، مثل لبنان، قد تتفاقم الضغوط على سعر صرف العملات المحلية، وتتراجع حركة الاستثمار والسياحة، وتزداد الأعباء على الأسر والشركات، بما يجعل آثار الحرب الاقتصادية لا تقل خطورة عن آثارها العسكرية.
وهنا تظهر المفارقة؛ فعلى الرغم من أن المنطق الاقتصادي التقليدي يضع الذهب دائمًا في خانة "الملاذ الآمن" في أوقات الأزمات، فإن معادلة الفائدة المرتفعة تبدو، في المرحلة الحالية، أكثر تأثيرًا. فالذهب لا يدر عائدًا، في حين أن أسعار الفائدة المرتفعة التي اعتمدها الاحتياطي الفيدرالي لمواجهة التضخم جعلت السندات الحكومية الأميركية والدولار أكثر جاذبية للمستثمرين، ما حدّ من اندفاعهم نحو الذهب، رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كانت الحروب تدفع المستثمرين نحو الذهب، فيما تدفعهم أسعار الفائدة المرتفعة بعيدًا عنه، فأي القوتين ستكون صاحبة الكلمة الفصل إذا استمر التصعيد؟ وهل ستظل قوة الدولار والفائدة المرتفعة هي العامل الحاسم، أم أن اتساع رقعة الحرب سيدفع الأسواق في النهاية إلى الهروب نحو الذهب، مهما بلغت العوائد على الدولار؟
الدكتورة في الاقتصاد والتمويل الدولي كارمن حيدر