حين تصبح الهزيمة انتصاراً: من بعث 1967 إلى خطاب حزب الله اليوم.

هناك نوع من الأنظمة والحركات لا يُهزم فقط في الميدان، بل يُهزم مرة ثانية في اللغة. يخسر الأرض، ثم يسمّي ذلك صموداً. تنكشف عورته العسكرية والسياسية، ثم يطلب من الناس أن تحتفل لأن القيادة بقيت. وهنا لا تعود المشكلة في الهزيمة نفسها، بل في تزوير معناها.

هذا ما فعله نظام البعث في سوريا بعد نكسة 1967. وهذا ما يفعله اليوم خطاب حزب الله وبعض أبواقه في جنوب لبنان، حين يحوّل الخسارة إلى ملحمة، والاستباحة إلى صمود، وبقاء التنظيم إلى انتصار.

بعد حزيران 1967، كان يفترض بنظام البعث، الذي كانت تتحكم به اللجنة العسكرية، أن يقف أمام السوريين والعرب ويعترف بما حدث: الجولان سقط، الجيش هُزم، القيادة فشلت، والدولة دُفعت إلى كارثة. لكن النظام فعل العكس تماماً. بدل الاعتراف بالهزيمة، أعلن أنه انتصر لأن “هدف العدوان” لم يتحقق، أي لأن النظام نفسه لم يسقط. وبحسب قراءة منشورة عن مسؤولية النظام السوري عن الهزيمة، فإن اللجنة العسكرية استخدمت البعث واجهة أيديولوجية، وبنت أجهزة أمنية لحماية استئثارها بالسلطة، ثم بعد النكسة ادّعى النظام أنه انتصر لأنه أفشل إسقاط “نظامه التقدمي”، فيما بقي الجولان محتلاً وصعد حافظ الأسد، وزير دفاع الهزيمة، لاحقاً إلى قمة السلطة.

هكذا وُلد أحد أكثر التعريفات هزلية للنصر في التاريخ العربي الحديث:
أن تبقى السلطة ولو ضاعت الأرض.

لم يعد الوطن هو الأرض والشعب والسيادة. صار الوطن هو النظام. فإذا بقي النظام، فكل شيء قابل للتبرير: الهزيمة، الاحتلال، الانسحاب، الصمت، القمع، وحتى العار.

المقارنة هنا مع مصر عبد الناصر ضرورية، لا لتبرئة عبد الناصر من مسؤوليته عن الهزيمة، ولا لتحويله إلى قديس سياسي، بل لإظهار الفرق بين نظام يحوّل الهزيمة إلى انتصار كاذب، وقائد امتلك على الأقل شجاعة المكاشفة وفتح طريق المراجعة.

عبد الناصر هُزم في 1967، وهذه حقيقة لا يغيّرها حبّ ولا كره. لكنّه لم يخرج ليقول إن مصر انتصرت لأن النظام بقي، ولا لأن إسرائيل فشلت في إسقاطه. في خطاب التنحي في 9 حزيران، تحمّل المسؤولية السياسية أمام الناس، وأعلن تنحّيه، وسمّى ما جرى “نكسة” لا “نصراً”. وتشير مصادر تاريخية إلى أنه أخذ المسؤولية عن الهزيمة ورشّح زكريا محيي الدين لخلافته.

قد يقال إن الجماهير أعادته إلى السلطة. صحيح. لكن الفارق ليس هنا فقط. الفارق أن عبد الناصر، بعد الصدمة، لم يكتفِ بالبقاء في الحكم وبيع الناس قصيدة صمود. بدأ مساراً عملياً: تغييرات في القيادة العسكرية، إعادة بناء الجيش، الاستعداد لحرب الاستنزاف، وترميم الجبهة الداخلية استعداداً لمعركة طويلة. وقد أشارت قراءات سياسية إلى أن جهده بعد 1967 تحوّل إلى “محو آثار العدوان” والاستعداد لاستعادة ما فُقد، وأنه لعب دوراً كبيراً في إعادة بناء الجيش المصري وتغيير هيكله وأسلوب عمله.

الأهم من ذلك أنه امتلك شجاعة لا يمتلكها أصحاب الشعارات الخشبية: شجاعة التفاوض عندما تكون المصلحة الوطنية تفرض ذلك. قبوله بمبادرة روجرز لم يكن استسلاماً، بل كان جزءاً من إدارة معركة طويلة النفس. لقد قبل التهدئة كي يكسب وقتاً، ويحصّن الجبهة، ويقوّي الجيش، ويستعد لمرحلة أخرى من المواجهة. تشير دراسة عن حرب الاستنزاف إلى أن عبد الناصر قبل وقف إطلاق النار قائلاً إن مصر لم تعد تتحرك من موقع ضعف، بل من موقع قوة متزايدة بفعل تطور القدرة الردعية والدعم العسكري.

هنا يظهر الفرق العميق بين السياسة والشعار.

السياسة الحقيقية لا تعني الصراخ الدائم. أحياناً تعني الاعتراف بالهزيمة. أحياناً تعني تغيير القادة. أحياناً تعني وقف النار. أحياناً تعني التفاوض. وأحياناً تعني أن تعرف متى تقاتل ومتى تلتقط أنفاسك كي تقاتل لاحقاً بشروط أفضل.

أما عقل البعث، فهو لا يعرف إلا معادلة واحدة:
طالما القيادة باقية، فنحن منتصرون.

وهذه المعادلة نراها اليوم في خطاب حزب الله.

حين يخرج الشيخ نعيم قاسم ليعلن أن الحزب حقق “انتصاراً كبيراً يفوق انتصار 2006”، ثم يشرح أن الانتصار تحقق لأن إسرائيل لم تتمكن من تدمير حزب الله أو إنهاء المقاومة أو إضعافها إلى درجة العجز عن الحركة، فهو يستخدم المنطق البعثي نفسه تقريباً: معيار النصر ليس الأرض، ولا الدولة، ولا الناس، بل بقاء التنظيم
أي أن لبنان قد يُستباح، والجنوب قد يُقصف، والناس قد تُهجّر، والقرى قد تُدمّر، ومواقع قد تتحول إلى مناطق اشتباك واستنزاف، ومع ذلك يُطلب من اللبنانيين أن يسمّوا ذلك نصراً لأن الحزب لم يُمحَ من الوجود.

هذا ليس نصراً.
هذا تخفيض لمفهوم النصر إلى مجرّد نجاة تنظيمية.

وقضية تلال علي الطاهر تكشف المأزق بوضوح. التقارير تتحدث عن موقع صار مصيره مرتبطاً بمبارزة أميركية ـ إيرانية ـ إسرائيلية، وعن اشتباكات وغارات، وعن حسابات تتجاوز الدولة اللبنانية، وعن حزب يخشى إخلاء الموقع لمصلحة الجيش اللبناني خوفاً من أن تضع إسرائيل يدها عليه.
ومع ذلك، يأتي من يقول لك: هذه ملحمة انتصار.
أي انتصار هذا إذا كانت الأرض موضوع مساومة؟
أي انتصار هذا إذا كان الجيش اللبناني ليس صاحب القرار الأول؟
أي انتصار هذا إذا صار مصير تلة لبنانية مرتبطاً بحسابات طهران وواشنطن وتل أبيب؟
وأي سيادة هذه إذا كان الحزب يقرر الحرب، ثم تطالب الدولة لاحقاً بإدارة النتائج؟

هنا يصبح استدعاء معركة أحد مهماً. فالتراث الإسلامي نفسه، الذي يحاول كثيرون استعماله لتبرير كل شيء، لا يتعامل مع الهزيمة بهذه السطحية. في أحد، كان الرسول نفسه بين المقاتلين، وكان معه المؤمنون الأوائل. ومع ذلك، لم يقل القرآن إن وجود النبي يلغي معنى الهزيمة أو يمنع المحاسبة. بل واجه المؤمنين بالسؤال: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}. والروايات الإسلامية تربط ما جرى بعوامل مادية وعسكرية واضحة: مخالفة الرماة للأمر، ترك الموقع، التنازع، والاندفاع خلف الغنائم، ما قلب نتيجة المعركة بعد بدايتها لمصلحة المسلمين.
حتى في معركة يقودها الرسول، لم تُلغَ الأسباب العسكرية للهزيمة.
فكيف يريد بعض أتباع الحزب أن يلغوا الحساب لأن القيادة أعلنت الصمود؟

الهزيمة لا تصبح نصراً لأن المقاتل مؤمن بقضيته.
ولا تصبح نصراً لأن الدم غالٍ.
ولا تصبح نصراً لأن العدو مجرم.
كل ذلك قد يكون صحيحاً، لكنه لا يكفي. هناك أرض. هناك ناس. هناك ميزان قوى. هناك قرار حرب. هناك نتائج.

وهنا بالضبط يأتي ياسين الحافظ. فقد فهم الهزيمة لا كحادث عسكري فقط، بل كاشتعال عميق في بنية الوعي السياسي العربي. عنوان كتابه “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة” يكاد يشرح المسألة كلها: الهزيمة ليست فقط أن تخسر معركة، بل أن تنتج أيديولوجيا تمنعك من رؤية أنك هُزمت.

وهذا هو جوهر المشكلة مع خطاب البعث سابقاً وخطاب حزب الله اليوم. كلاهما يخاف من الاعتراف لأن الاعتراف يفتح باب الأسئلة:
من قرر؟
من أخطأ؟
من حاسب؟
من فوّض؟
من دفع الثمن؟
ومن يملك حق إعلان النصر باسم الناس؟

عبد الناصر، رغم مسؤولية نظامه عن الكارثة ( الدور المريب لعبد الحكيم عامر وغيره)، امتلك شجاعة البدء بالمكاشفة. ثم ذهب إلى إجراءات حقيقية: إعادة بناء الجيش، حرب استنزاف، قبول تهدئة (مبادرة روجرز)، تحضير لمعركة لاحقة. أما البعث فهرب إلى الأسطورة: نحن انتصرنا لأننا بقينا. وحزب الله اليوم يقترب من المنطق نفسه: نحن انتصرنا لأننا لم ننتهِ.
لكن بقاء التنظيم ليس نصراً وطنياً.
بقاء النظام ليس نصراً وطنياً.
بقاء الزعيم ليس نصراً وطنياً.
النصر أن تبقى الأرض.
النصر أن يعود الناس.
النصر أن يكون قرار الحرب والسلم في يد الدولة.
النصر أن تُحاسَب القيادة لا أن تُقدَّس.
النصر أن تملك الشجاعة لتقول: أخطأنا، خسرنا، وسنغيّر.
أما أن نخسر الأرض ونربح خطاباً، فتلك ليست مقاومة.
أن يُهجّر الناس ثم نحتفل بالثبات، فتلك ليست بطولة.
أن يصبح بقاء الحزب أهم من سيادة الدولة، فهذه ليست ممانعة.
إنها بعث جديد، بلغة جديدة، ورايات جديدة، وعمامة بدل البزة العسكرية.
في النهاية، الفرق بين الهزيمة والنصر لا تحدده البيانات.
تحدده النتائج.
ومن يطلب من الناس أن يصفقوا لأن القيادة نجت بينما الأرض تنزف، لا يعلن انتصاراً.
إنه فقط يكتب بيان الهزيمة بلغة المنتصرين بينما حان الوقت لنكتب سويا خطة الخلاص لاستعادة الارض وعودة الناس إليها.