في هندسة التجويع والتهجير: ميناء أميركي في شمال غزة

قد يبدو سوريالياً أن يكون لقطاع غزة حدود برية يتجاوز طولها 16 كيلومتراً مع مصر، ويتوسطها معبران رسمياً وشبكة مواصلات حديثة، فيما تقوم الدول التي تدعي حرصها على الأمن الغذائي للفلسطينيين بإسقاط المساعدات جواً (على رؤوسهم قاتلةً بعضهم!) وبالإعلان عن بدء بناء ميناء بحري مؤقت لإدخال المساعدات.

لكن لا مكان للواقعية ولا للموضوعية في العالم الحقيقي الذي نعيش فيه. إذ هل يعقل أن يتعرّض أكثر من 32 ألف بشري من لحم ودم وأحلام وطموحات ودموع وابتسامات، إلى القتل الوحشيّ على مدى 180 يوماً، ويجري نقل ذلك كلّه بالبثّ الحيّ ليشاهده 8 مليارات إنسان، كأنّهم يشاهدون فيلماً في دار السينما؟ وما ظهر من أرقام القتلى يوازيه بأضعاف مضاعفة مجموع أعداد المفقودين والجرحى والمعوّقين. اللائحة تطول حتى لا يكاد بيت واحد في غزّة يخلو من خسارة أليمة، وبالتأكيد لم يعد ثمّة بيت واحد أو خيمة واحدة يخلو من جوع الحصار المطبق براً وبحراً وجواً.
في هذه المشهديّة يتقدّم الرئيس الأميركي جو بايدن لكي يحاول الادعاء بأن حياة الفلسطينيين لها قيمة في ميزان حساباته، بعد أن فاجأته أصوات 15% من المقترعين الديمقراطيين في ولاية ميتشغان الحساسة عندما اقترعوا ب "لا انتماء" في الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطيّ على خلفيّة عدم رضاهم عن انحياز رئيسهم لحرب الإبادة، في ولاية انتصر فيها في الجولة الانتخابية السابقة على منافسه الرئيس الأسبق ترامب بحوالي 1% فقط من أصوات المقترعين. وهي نتيجة لو اختلّت الآن، تختلّ معها كل نتائج الرئاسة المقبلة في تشرين الثاني المقبل.
لكنّ الغلاف الإنساني الديمقراطي الرقيق يكاد لا يخفي ما تحته من أغوار لا تحتاج لمن يسبرها، لتبيان الأهداف الحقيقية لهذا المشروع. فغزّة، مثلها مثل الضفة الغربية، جرى حرمانها من أي وسيلة اتصال دولية مع العالم، حيث بقيت خاضعة للرؤية الإسرائيلية التي ترى أن لا مجال لقيام أي كيان فلسطيني مستقل بين البحر المتوسط ونهر الأردن، ورفع قادتها شعار السيطرة الأمنية الكاملة من البحر إلى النهر، وطرحوا سابقاً وطناً بديلاً في الأردن واليوم يطرحونه في سيناء. وفي حين راوغت القيادة الصهيونية بقبولها بإقامة كيان أو سلطة فلسطينية شكلاً، لكنّ الواقع الفعلي كان سلطةً لا تعدو عن كونها هيئة محلية لا تملك أي سيادة ولا حول ولا قوّة ولا كيان. يمنع على الفلسطينيين أن يكون لهم مطاراً مستقلاً في الضفة أو ميناءً بحرياً في غزة، وعليهم أن يمروا بنقاط التفتيش البريّة الإسرائيلية على الحدود مع الأردن، وعلى نقاط بريّة مصريّة تلبّي مطالب العدو الأمنية للعبور إلى سيناء. كان الأميركيون رعاةً لهذا المشروع لسلطة مسيطر عليها، ولسيطرة أمنية صهيونية كاملة على نقاط اتصال الفلسطينيين بالعالم الخارجي.
لم يتغيّر شيء بعد في هذه الخطة الأميركية الصهيونية، لا بل أنّ أحداث 7 أوكتوبر وما تلاها من صمود سياسي وميداني تحت كل الإجرام والتدمير والتهديد والوعيد، زادت العدو توحشاً وإصراراً على استمرار سياسة العزل والحصار والعقاب الجماعي على الفلسطينيين. ولا يمكن الانطلاق من معالجة مسألة الميناء البحري الجديد إلّا من هذه الفكرة تحديداً.
إذاً، أولاً، ليس الميناء بوابةً لتحسين حياة الفلسطينيين قطعاً.
بحسب الإعلان الأميركي الرسمي، الهدف هو استقبال الشحنات الغذائية والماء والدواء وأن يكون ملجاً مؤقتاً على الشاطئ، ولزيادة المساعدات الإنسانية اليومية إلى القطاع. كما أعلن وزير الخارجية البريطاني دافيد كاميرون أن بلاده ستشارك في بناء الميناء وأنّه سيأخذ بعض الوقت، فيما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن أكثر من 1000 جندي أميركي سيشاركون في بناء الميناء والمرسى المؤقت على مدى حوالي 60 يوماً. سيتكوّن الميناء من جزء عائم في البحر لتفريغ المساعدات التي سيجري نقلها إلى الجزء الثاني وهي منشأة على الشاطئ، من دون أن تعلن وزارة الدفاع الأميركية كيف ستقوم بتأمين حمايته من هجمات محتملة، خاصة بعد أن أعلن عدد من الفصائل الوطنية الفلسطينية معارضتها لهذا المشروع، فيما تؤكد الإدارة الأميركية موافقة إسرائيل على بنائه، إن لم تكن شريكةً أصلاً في تطوير الفكرة.
الأسباب الفعلية لبناء هذا الميناء يمكن استنتاجها ربطاً بالخطة الأميركية الاسرائيلية الاستراتيجية لمستقبل قطاع غزة، ألا وهي تهجير الفلسطينيين منه عبر جعله مكاناً غير قابل للعيش، دفعةً واحدةً أو بالتقسيط على مدى سنوات مقبلة، كي يخلو الأمر للصهاينة بإحكام سيطرتهم. وهذه الخطة كانت معلنةً عبر الضغط الكبير الذي مورس على مصر لفتح الحدود، ليس بهدف إدخال المساعدات، بل بهدف إخراج أكثر من مليون فلسطيني إلى سيناء لتتحوّل إلى موطنهم البديل، ولربما أقاموا لهم دولةً مسخ هناك بعد سنوات أو عقود. لكنّ الرفض المصري الجدّي حتى الآن عطّل هذه الخطة. وفي حين تستمر سياسة العصا والجزرة مع مصر لدفعها إلى القبول بذلك، بدأ الحديث الأميركي الأوروبي العلني عن خطة أخرى يقول غلافها الرقيق أنّها ترفض التهجير القسريّ للفلسطينيين، ويظهر مضمونها الفعلي في التصريحات التي تقول بأنّها سترعى هجرتهم الطوعية وهنا بيت القصيد.
الشعب الفلسطيني في غزة صامد متمسك بأرضه رغم كل ما حدث. لذلك، وبعد تيقّن الإدارة الأميركية أن هزيمة المقاومة الفلسطينية المباشرة بعيدة المنال، انتقلت الخطة إلى مبدأ جعل كل القطاع منطقة غير صالحة للحياة، وهو ما سيصبّ في إطار تعزيز الهجرة الطوعية التي يمكن أن تحصل على مدى سنوات وليس أشهر، ليفرغ القطاع ديموغرافياً وبالتدريج، ليحقق العدو في زمن الهدنة ما فشل في تحقيقه في زمن العدوان.
ففي هذا الإطار أتى الإصرار الإجرامي الصهيوني على تدمير كل مستشفيات قطاع غزة ومستوصفاتها وكل العمران الحديث والأبراج السكنية والبنية التحتية والمدن الرئيسية. ومن بعدها بدأ موضوع ضخّ مياه البحر في الأنفاق، وهذا ليس مشروعاً عسكرياً يهدف للقضاء على مقاتلي حماس المتحصنين تحت الأرض، لأن أرض غزة رملية شبه صحراوية تمتص كل المياه التي يمكن ضخّها فيها من دون أن تغرق. كان هدف المشروع ولا يزال إشباع أرض غزة بالمياه المالحة كي تكون غير صالحة للزراعة، وكي تتسرب إلى آبار المياه الجوفية فتصبح غير صالحة للشرب أيضاً. ويكون هذا المشروع قد حقق ضرب القطاع الزراعي ومياه الشفة على المدى البعيد. في هذه الظروف، من دون صحة ولا استشفاء ولا عمران ولا زراعة ولا مياه، يصبح القطاع موضوعياً غير قابل للحياة وطارداً لها، حيث سيبدأ الناس العائدون من خيم اللجوء بعد العدوان بالبحث عن أمكنة قابلة للحياة خارج القطاع، على سبيل "الهجرة الطوعية" لا "التهجير القسري"، فيأتي الميناء الإنساني كحبة الكرز على قالب الحلوى، خاتمةً مكمّلةً لهذا المشروع. ومع قرب غزة من قبرص يتحول ميناء شمال غزة لمنصة يهاجر منها الغزاويون طوعياً وتدريجياً إلى لارنكا ومنها إلى دول العالم البعيد، ليضمن كيان الاحتلال سيطرته وتفوقه الديموغرافي أيضاً على أهل فلسطين.
وفي الوقت عينه، يشكّل المشروع التفافاً وتقويضاً لدور مفوضية اللاجئين في الأمم المتحدة "الأونروا"، التي يسعى العدو مع الإدارة الأميركية لإنهاء عملها كونها لا تعمل ضمن خطتهم أو تحت إشرافهم وحدهم، وبالتالي من خلال الميناء الجديد يجري ربط أهالي غزة بشبكة جديدة من المساعدات والمؤسسات البديلة التي تقوم بتوزيعها وإدارتها تحت القيادة الأميركية المباشرة لتحلّ مكان الأونروا.
إذاً، ميناء بايدن الغزاوي هو هندسة طموحة تحت عنوان منع التجويع لحجز مكان للأميركيين على الشاطئ الشرقي للمتوسط، وفتح كوةٍ للتهجير الطوعي، لو قدّر للمشروع ان يكتمل تحقيقه. ويتقاطع المشروع أيضاً مع مشاريع السيطرة على الغاز في المتوسط المحاذي لغزة، لو قدّر مجدداً للإسرائيليين والأميركيين تركيب سلطة جديدة موالية في القطاع كما يخططون ويحلمون. وأمام هذه المخططات، تبقى موازين القوى على الأرض وصمود المقاومة الفلسطينيّة هي العامل الفاصل بين تحقّقها أو انكسارها.

*مسؤول العلاقات الخارجية في المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني

# موسومة تحت :
  • العدد رقم: 421
`


عمر الديب