أمضي في دُنيايَ، ولي عند أبواب الأعوام والسنين، عناق مجيئنا إلى هنا، وتلك المُنى في ما بعد، أحملها أباً عن جد، ولستُ غير من جاء غداً، حاملاً أثوابَ عيدٍ تلوَ رحيل، كما لو نجمع بقايا أجزائنا من قفارٍ وغياب، نجهدُ في جمعها كي تكون اجتماعنا، وهي سلوانا لأجل الخلاص من سنين الرصاص، لخلاصٍ بأعوام الخير والفرح.

تأخذُ الغيوم بعض هيئاتنا، وبمتعة المطر والشّوق، أنتظرُ هاتي القطرات المُتباسمة، تسعى إلينا كيف تتوالد، كيف قطراتنا هناك، تتكاون عناقنا هنا، وعند غرابات الرؤى، هسيسُ الأساطير، خلفها، حروب الأكوان، حتى كانت سفينتنا الفضائية، هذي الأرض جامعة العوالم، الذاخرة، المتذاكرة دماءَ الكائنات، والغزاة منها، والحفاة، والطغاة، نعْدوها بأشكالٍ، بهيئاتِ أصنام، ولم أزل، أقتفي رائحةَ الشتوة الأولى، رائعة الغُسْلِ والتطَّهْر، لأزهى بخيوطٍ تتسلّلُ ذهبية، ولا لأذهبَ عن بوحي، وقد خلعتُ نعليَ عند أوّلِ خيال... من حينها، وحجيج الأرض، يقيمون موائد الأضاحي، تلك المُنتقاة بعناية، الذين، فائض بشرٍ ودموع كائنات، فائض صراخٍ وانذهال، هاك، عند الضفاف غزوات التبتّل، مجرّد إدمانٍ بأدواتٍ بشرية.

ونحن، في هذا العصر الغريب، منذ حِقبٍ سحيقة، أذكرُ كم قُتِلتُ؟ كم صديقاً رفيقاً إنساناً... كائناً حيّاً في دمي؟ تمهّلْ صديقي، كلانا قِصّةُ سفرٍ ولقاء، وإن عزَّ سفرٌ حين سفرٍ خارج الوقت، تظلُّ في وقتنا... نُنشِدُ معاً رقصةَ الشمس، ولمّا نزل نولدُ بعد رصاصاتٍ قاتلة، والحياة بعدك فارغة، لكنّك من أثيرها ونسيجها، تُسبّحُ برحابك الجديدة، وبأنّا انتظارُكَ الورديّ، بأنّكَ ديمومتنا معاً، لا زمنَ بعد هذا السفر، فالوقت إلى زوال، حيثُكَ الخلود، وهاتي الأنخاب على قارعة المُحتفين، نرفعها صُبحَ مساء، والعين وصلٌ لعينٍ في عين اليقين، تنظرُنا من عليائك بلا ظنون، بلا خوفٍ يعترينا غير الشّوق لأيامنا، لمرايانا، لهذا الإمتداد السرمدي، تتداخلُ فيه للحظة التكوين، وقد خُلِقنا للتواصل، للحياة، لأبديةٍ من مأد الجذور.

وقد رفعتُ عن كاهل القمرِ وردةً جذلانة، وبعض أفكارٍ راودتني، وتلك الأوراد لا تنْي، تهيم بمائي، بصلاتي ما بين جِنِّ سليمان، ورمشة عين، وعلى عين عيناثا، نواعمُ العين، يطرفن بغسقٍ وشفق، فانشقّ لهن القمر بآيته، واعتلّ الكون حتى اعتدل... هنا في مهدنا الوجوديّ، اتّبعنا معاً نوستالجيا انوجادنا، واستعجلتنا النوائبُ، لم نُصغِ لها، صِغْنا فرَحَنا من العذابات، وسرّعنا العقاربَ تدورُ بعكسها، كي ننعمَ... نكبر كلَّ ترجيعٍ ونداء، والساحات والميادين، حُرّاسها من كلِّ حبّةِ حِنطة وجمر، ولا لتتبخرَ الأنفاس؛ فهي في تآفقها وتعامدها، تصنع وطناً قديماً غنّيناهُ، حملناه في السرّاء والضرّاء، كي نغفو لمرةٍ، ولا نصحو على مقابرنا الحياتية.

عوالمُنا الغريبةُ القاسيّة، تراقبُنا، لا ننفكُّ عن صخبها وضجيجها، لا استقرارَ كي نشمَّ أريجَها؛ فالأفكار اللعوب، تأخذ بنواصي الوجود، تحيل المعرفةَ لمجرّدِ مُتلّقٍ، لا يفقه أمراً، والسنون الكبيسة ترمينا بمعادلات المزارع والقطعان، طغيانٌ فريدٌ نذيرُ خزيٍّ وسقوط، ولمّا أزلْ أتسقّطُ منابتي؛ فنبتَ بين يديَّ، في أعماقي، قرنٌ من الحروب الدامية، والزّمان غبار أجسادِنا وأرواحنا، رواحنا في مكاننا بلا إرادة، إلياذةٌ طويلة الأساطير، الأساطين والأعراب، وغراب قابيل على عهده وخوفه، ينعق، يزعق في جراحنا المديدة، في حديدنا وصَلْبنا الدامي، في أصلابنا وارحامنا، في هذه الغيبة والغيبوبة الأممية، في قطرةٍ أوسع من مجرّات.

كم لوجهٍ نحتاجُ لكي نغضب، لكي ننهض، لكي... وأخشى الجانبَ الآخر المجهول، كما لا أرجوه، كمن لا يخشاه، وهذه صورتي في وجه أبي، افتقد هذ الوجهَ المنذور لمقامهِ هناك، فاستعدَدْتُ ليومٍ آخر، لرجلٍ ذرّتهُ القصائد، وذلك العائد من موته، يسحبُ السحابَ بطائرة ورق، فلبثنا بضع سنينَ في الخوف والحنين، في ذلك الجُبِّ اليوسُفيِّ، وبعض السيارةِ رمونا بصلياتٍ جائرة، وغيرهم بمشاعر حائرة، غيرهم بأنوارٍ حملتني إلى صدرها، إلى صدر الحُبِّ والأمان، وكلُّ ما فيَّ غريب وشهيّ، كما لو كنتُ وجبةَ الموتِ هناك، يُجالسُني، يُخالطُ مشاعري وأفكاري، صوتي الخفيَّ، يومياتي المُحَصّنة بالآيات، يذهبُ بي في رحلة كلِّ يوم، ولا أجدُني على غير فراش، أتذكّرُ كيف كنّا في كلِّ الأماكن، في تلك اللحظة المفتوحة على الوقت، حيثُنا لا زمنَ، لا حِسابَ، لا أجراسَ، لا حُرّاس، لا أعلامَ أو مآذن، فقط ذلك الصراخ من أعماق المبنى المهدّم، وأنا أنظر إليه... أُناظِرُهُ على رؤوس الأشهاد كي يرفع الحطّام عن الأجساد الطرّية. لا يفعل، فهذا شأنهُ وعمله على الأرجح، وأجنحُ لأسئلةٍ بلا جواب، لمطرٍ مهروسِ الجلود، لولاداتِ الطين الممنوعة العواقب، وأنا القتيل الرّاغبُ بالمثول أمام قضاة المحكمة العليا، مرافعاً، مدافعاً عن القتلى، عن القتَلة لربّما، ربّما هم منذورن لكلّ هذا القتل المعولم.


يبحث عن آلةٍ ذكيةٍ كي تمحو له ذاكرته مع أنه حين كان صغيراً، كان يفضّلها زرقاء، ورويداً رويداً مال للون الأخضر، وصار يمزج ما بينهما، هكذا يتخيّلُ روحَهُ دائماً في صورة طفلٍ يحبو نحو المستقبل متجاوزاً كلّ هذا الماضي والحاضر، معيداً تأسيس ذاته دون ما أقيبة التعذيب والجلّادين، دون ما الحياة المكسورة المقهورة والجهات، جامعاً الأتراب والأصحاب في "يو اس بي"، ساخراً بتلك الرغبة والنظرة من كلّ الدول والحكومات الوقحة، من الشعوب الخانعة الخاضعة الصامتة.

الولوج إلى المستقبل، عملية ذاتية مؤلمة وشاقّة، كمن يجترح نظام حماية من الواقع الآسر للحياة، وكلّما ازداد رسوخاً في نزعته وأفكاره، كلّما تآلم أكثر، وتضاءلت أحلامه في ذاته، واستكمالاً لشكل الجوهر، يقيم ما بين التناقضات والانفجار المحتم، علاقة متعدّدة الجوانب والإشكاليات، لا يسهو عن ترابط المواضيع والنظريات بنقد الفكر الطائفي العنصري القهري، بالسعي لمجتمع إنساني جديد.. مبدع، خلّاق؛ فالجحيم هنا.. من صناعة البشر المتحكّمين بالرقاب والمقدرات، والإصطلاح الإيديولوجي لديه.. الخالق محبة، الخالقُ لا يُنتج حقداً وكرهاً، قتلاً وتآلها لذوات الحكّام العجائب.

***

 

وفي السياق، كان أن أجلسَ في العتمة لوقتٍ طويل، حيث تومض الروح والأفكار، وبقابسات الحروف أضيءُ أبواناً شاسعة من جمالات النفس، من لذاذات الإستمتاع بطعم الكلمات والرؤى.
ستة عقودٍ من التجوال في العوالم المرئية واللامرئية، في العوالم الافتراضية، منفرداً ولمرّةٍ أوافق ما بينها وأطابق، أُطلقُ طيورَ العتبات الى العقول والحجرات المظلمة.
هناك، في الممرّ الطفوليّ سماءٌ مضاءة، في أعماقها كوكبان متزاوجان، عاماً تلو عام بلغ ما توالد عنهما عشرة كواكب من شمسٍ وقمر، والأضواء الخافتة أتحسّسُ سبيلي عبرها، إلى تلك الأرواح اليافعة.
بعد مُسلّمة العمر عن سبعة عشرة ربيعاً، لم أمكث في مكاني أكثرَ من هاتي أضوء، والضوء الأخير، كان شديد الحمُرةِ بقتامةِ النجيع؛ فانصرفنا عن مهالكنا بلكناتٍ فارغة الحياة، واليدُ منّا ذات اليمين، ذات الشمال اليد الأخرى؛ فسقطنا في العزلة والخواء، في هذا الهباء لا حاجة للانتظار.


***


هنا، منذ ولادةٍ جديدة لم تُسجّل في بطاقة الوجود، وفي أوقاتٍ تشابه العراء.. كنّا نُقتلُ ثمّ نولدُ في مكانٍ وزمانٍ آخرين، لستُ أدري إن كان في الزمن الماضي أو الحاضر أو المستقبل، هكذا رحنا نستقبلُ وجودَنا بلا تحضيرٍ أو عناية، ثمة حيواتٌ مخدّرة، ولكي أتحاشى الوجعَ أقع فيه بكلّ طاقةٍ وإصرار، وهو الواقع الأكثر حزناً، والأيام تناصبنا العداء، وقد علّمتنا الحروبُ ودرّبتنا الخطوب بأن صرنا أقوى عدّائي القرن العشرين والواحد منه، نسابق خيالاتنا بأطوارٍ وأدوارٍ وغايات، وهي من أعمالنا وأفعالنا الرائدة، مخالفات كي نتناسى مآسينا.. ولا لاعترافٍ ايجابي، لكلمة واحدة جامعة.. هي الدليل لفكّّ شيفرة الطلاسم، لولوج تلك العوالم المستقبلية بجلودٍ جديدة، تكون مناسبة تماماً لتلك المطبّات المعولمة.


***

عينان مختلفتا اللون

لاحقاً، انتبهتُ لشهوات العيون، كنتُ مُهجّراً ومدرّساً لطلابٍ تجاوزني العديد منهم في الطول والعرض، وبعد عرض العناوين الرئيسية للمواضيع، يحتدم نقاشٌ ماطرُ الأفكار والمشاعر الطيبة الرائعة.
في ما بعد، وبأمرِ الحرب والدّمار، كنّا نلجأ في مكاننا، وأنّى كنّا في مطارحنا العارية، وعلى ذمة القاتل أن الناس حيثُنا، الذين في المقلب الآخر، هم عرضة للقتل الجماعي بلا سبب أو أحاجي.
حالٌ تعوّدنا عليها حتّى ألفناها، نخرج إلى الدّنيا دون أن ندركَ عودتنا، هكذا في عينِ جدارٍ وجدار عيونٌ أغمضت، لكن لم تحتجب. هكذا، في فم النهار أصواتٌ تُزبد وترعد، تُقلِق السمعَ والبصرَ والحركة، هكذا، في عتمة الليل والغرف البائسة الضعيفة، أرواحٌ في صومعتها تبحث عن بصيص أملٍ وضوء. هكذا، في الأحيان المتعاقبة القهوة والشاي والسجائر، المتعاقبة النقاشات والحوارات، المتعاقبة الجَلدَ والجدلَ البيزنطي، جَلْدٌ مثيرٌ، يُفصحُ عن عاهاتٍ وتشوّهات مجتمعية، هكذا، جولات الصباح والمساء، نعبر أعناقنا بأفواهٍ وخطواتٍ خارجةٍ عن السيطرة، ومِسطرة اللوح في يدي، مسيرةٌ مجهولة، تتحدّث الناس عن المعارك المفتوحة على الموت، صليةً تلو صليةٍ وقذيفة نتفقّدُ أرواحَنا، منها مَن أدركناها، منها مَن تصعّد نجيع الشهادة، منها، حيثُنا واقفون نكزّ على الأسنان، نفرك الأيدي بحنّاء التراب، نكتشف نظراتنا كيف تبدو حمراء بهالات زرقاء.

لاحقاً ولمرّةٍ أخرى، نظرت في عينيْ أماني، إبنة أخي ذات السنوات السبع، أدهشتني كيف ابتسمت لي، كيف نظرت لي نظرة الوداع، كيف تبادلنا اللونَ.. ولعينٍ واحدة، أراها، لطالما أراها بعيني، بعينها.

 

ليس لأربعين وسنة أن تترجمها كلمات قليلة، والثابت لمجرى الأحداث، كيف انفلتت علينا غيلان القتل والدمار، يقيمون احتفالاتهم الوطنية ومآدب الأضاحي البشرية بكل موت مسموع حتى ما وراء الحجب.

والناس مثل كتَبةِ أيامهم، يحكون لي عنّي. هم أصدقاءٌ مغرقون بالحبور، يؤدّون تحية الميلاد لوالدي. مع الوقت أدركت كيف أكبر واﻷيام؟ كيف أخزنُ مشاعر الناس؟ أسحبُهم إلى أماكنهم في الحكايا، واﻷسرار الطفيفة المضحكة تمنحنا لقطاتٍ، تستيقظ كلّما نهض القلب من رقاد زحمة الحياة...

منذ نيفٍ وأربعة عقود، ونحن ذاكرة الحرب الأهلية، نعيش ذكراها، نحياها نُحيِّها بملامح تهالكت في السنين، بذكرياتٍ مريرة، بصورٍ ومشاهدَ تعِبَتْ منّا، وأتعَبْنا الشهداءَ والثرى، بأسماء تحاصرنا؛ فلا نقيم سرادق العزاء، ولا نذهب عن ثمالة الجرعات الوطنية، نعبّها من بيانات النجيع... والجمبع خارج الإعتراف، خارج التصالح مع الذات قبل المصالحة الوطنية بمعانيها الإنسانية الأخلاقية، وبعيداً عن فولكلور التكاذب الوطني... ولنا في المقابر الجماعية أهلٌ وأصدقاءٌ مغيّبون ومهجّرون بقدرة فاعلٍ معلوم، حيواتٌ بأكملها، وملاعب وحارات وأحلام... تجربة حيّة عشنا مخاضها بكلّ آلامها ومآسيها، وهي آلامُنا ومآسينا.

 

أمي... غدَنا ترسمين، وتحلمين
ولكِ خيالاتُ العمرِ..... وتكبرين

فيَّ طفلُ نبضِكِ يحفظُ خطوكِ
تقارعين الوقتَ.... بوجعٍ حنين

وأدّعي عن رجلٍ.. سقا انتباهتي
فكنتُ، يقيناً إلَهياً........ لوالدين

كأنّي... لا أتركُ لكِ خيالَ طريق
كأنّي.... غريبُكِ، أهربُ بالسنين

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل