الحكومة تستقيل من دورها لمصلحة شركة أميركية أفلست زبائنها 2018 يبدأ بتكليف ماكينزي وضع رؤية اقتصادية في وقت تفرض أميركا عقوباتها على لبنان!

0
0
0
s2smodern

 شهد لبنان في الفصل الأخير من العام 2017 أحاديثاً كثيرة عن المؤتمرات الخارجية التي ستقام في السنة الجديدة لدعم لبنان على كافة الصعد، السياسية منها، والعسكرية، وصولاً الى المؤتمر الأبرز، وهو مؤتمر باريس 4 الاقتصادي الذي يرجّح عقده في الربيع القادم.


في الوقت عينه، بدأ الكلام يدور عن نية الدولة اللبنانية ممثلة بحكومتها، ووزارة الاقتصاد والتجارة تحديداً، التعاقد مع شركة ماكينزي الاستشارية العالمية لوضع رؤية اقتصادية حديثة تساهم في تحديد الطريق الواجب اتباعه لوضع لبنان على السكة الصحيحة من أجل نهوضه الاقتصادي.
وفي نهاية العام الماضي، ذهبت الدولة اللبنانية إلى الطلب من شركة "ماكنزي أند كومباني" الأميركية بشكل رسمي إعداد خطة اقتصادية للبنان، بتكلفة مليون و 400 الف دولار اميركي. وفي جلسة الخميس 4 كانون الثاني 2018، وافقت الحكومة على منح الشركة سلفة بقيمة 430 ألف دولار أميركي عند اطلاق مشروع دراسة بشأن مستقبل لبنان الاقتصادي.
في ظلّ دور ماكينزي الأساسي في خطة "رؤية 2030" التي وضعها ولي العهد محمد بن سلمان لتغيير وجه المملكة العربية السعودية الاقتصادي، وفي ظلّ التسريبات الكثيرة عن دور سلبي لماكينزي تجاه لبنان في ما خصّ الحرب الاقتصادية التي تشنّها السعودية على لبنان، وفي ظلّ الأمثلة الكثيرة لحالات فشلت فيها ماكينزي، لا بل حيث أدّت مشورتها الى إفلاس شركات، يشهد لبنان تجاذباً كبيراً بين أطراف تؤيّد خطوة تكليف الشركة الأميركية، وأطراف أخرى تبدي اعتراضها الكبير على وضع شركة أجنبية رؤية اقتصادية للبلاد.

الرؤية الاقتصادية سيادة !
في هذا السياق، تشير مصادر اقتصادية مطّلعة لـ "النداء" أنّ "الرؤية الاقتصادية سيادة ! اعتماداً على هذا المفهوم، يصبح من غير المنطقي أن نأتي بشركة أميركية لتضع رؤية اقتصادية للبنان".
وترى المصادر أنّه "في أفضل الحالات، ستأتي الشركة ببضعة موظفين يحوزون شهادات عليا في الادارة والاقتصاد ليضعوا نماذج اقتصادية، في ظلّ عدم قدرة ماكينزي ومثيلاتها على معرفة مراكز القوة والضعف في الاقتصاد اللبناني، ولا الطاقات والامكانات التي تكتنزها البلاد. من المفيد هنا، أن نتذكّر الماضي غير البعيد، حيث كلّفت الحكومة اللبنانية برئاسة سليم الحص، في العام 1998، شركة أميركية بوضع رؤية اقتصادية للبلاد، مقابل بدل مادي كبير. توصلت تلك الشركة الى استنتاج مفاده أنّ أفضل قطاع لبناني هو حفر الخشب على الموبيليا ! ولدى سؤال الاستشاريين عن صياغة الألماس والذهب في مناطق كبرج حمود وغيرها، أجابوا أنهم لم يطّلعوا على هذا القطاع، ولذا لم يلحظوه ! كانت نتائج الدراسة وقتها مهينة، لا بل مبكية مضحكة لما حملته من عدم فهم للقدرات الاقتصادية اللبنانية في مختلف مجالات الزراعة والصناعة والخدمات".
الى ذلك، تكمل المصادر أنّ "جميع الاقتصاديين الذين عملوا في القطاع منذ ربع قرن وحتى اليوم أنّه منذ نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، جرى وضع خمس خطط اقتصادية كبرى تضمّ كلّ منها دراسات من مئات الصفحات، جرى نقاشها بتمعّن. ولعلّ الأولى بالحكومة اللبنانية كان أن تراجع جميع هذه الخطط ودراسة سلبياتها وايجابياتها. ولعلّ من المفيد أيضاً، دراسة واقع البلد بشكل حقيقي لنضع حينها رؤية عامة ينتج عنها برنامج عمل وخطط اقتنصادية ملموسة".
وتؤكّد المصادر المطّلعة أنّه أتيح لها نقاش بعض الجهات المصرّة على الإتيان بماكينزي، علماً أنّه قرار يريده رئيس الحكومة سعد الحريري وبعض فريق عمل وزارة الاقتصاد، مع الإشارة الى أنّ هكذا قرارات هي قرارات مكلفة حيث أنّ الشركة ستحصد أرباحاً بقيمة مليون و400 ألف دولار لأتعابها، لحظ منها حوالي نصف المليون دولار دفعة أولى جرى الموافقة عليها في جلسة حكومية مطلع العام 2018.

أي دور للاقتصاديين اللبنانيين ؟
تضيف المصادر "بعيداً عن كلّ ما سبق، بالمبدأ، هل من المعقول أنّ الشعب اللبناني لا يحوز اقتصاديين وخبراء قادرين على دراسة وضع البلاد الاقتصادي، والتوصّل الى خطّة حقيقية تهدف الى تصحيح الاختلالات الكثيرة التي تعيشها القطاعات المختلفة، وتحديد الاتجاهات الفعلية التي يفترض اعتمادها ؟ ألا نعرف ماذا تكتنز قطاعاتنا من إمكانات، ولا ندرك ما هي القطاعات القادرة على التحسّن؟ هذه المسألة سيادية لدرجة من غير الممكن أن نوكلها لأحد، ولو كنّا نسلّم جدلاً أنّ هذا الطرف موضوعي ومحايد !".
وتشير المصادر انّه خلال أحد النقاشات التي حصلت مع أحد الأطراف الداعمين للتعاقد مع ماكنزي، شكا الأخير من صعوبة استقطاب اقتصاديين لبنانيين للعمل معهم على وضع رؤية جدية ! تكمل المصادر أنّها شعرت أنّ "الذين يديرون الملف الاقتصادي في البلاد لا يعرفون من هم الاقتصاديين الفعليين في البلاد، ولا يعرفون الخطط الاقتصادية التي وضعت عبر السنوات، كخطّة باكتل وخطة أوجيه انترناسيونال، وهي شركات دولية مدعومة من أطراف سياسية محلية، وهي خطط كانت في جانب منها كارثية، فيما حازت على بعض الايجابيات في نواحٍ أخرى. لكن في مقابل كلّ من هذه الشركات، كان ثمّة فريقاً لبنانياً ساهم في وضع تلك الدراسات. وبعيداً عن تقييم الخطط، ثمّة على الأقلّ خطتين اقتصاديتين وضعتا وتمّ نقاشهما في مجلس الوزراء وصدرتا بقرار حكومي، كخطّة ترتيب الأراضي، وهي دراسة قام بها خبراء لبنانيين بالكامل، وهي ستحلّ، إن عمل بها، مشكلة المرافئ في البلاد، ومشكلة الاستثمار في المناطق بحسب الأراضي، كما تضع حلولاً لعشرات المشكلات الاقتصادية الأساسية التي منها ينطلق المرء لوضع الأولويات الحقيقية. ثمّة كذلك خطة التجهيزات الوطنية التي وضعت في العامين 2006 و2007، التي وضعها الوزير السابق شربل نحاس بالتعاون مع دار الهندسة بتكليف من مجلس الإعمار الذي كان يرأسه في تلك الفترة الوزير السابق الفضل شلق. والخطة السابق ذكرها هي خطّة تجهيزات على 12 عام، ويتمّ اعتمادها اليوم كقاعدة أساسية للبناء عليها. ولكن من يبني عليها اليوم، ينطلق من مقاربة لا تشبه المقاربة التي انطلق منها أصحابها بحيث يمكن أنّ تصل الى النتائج التي كان من المأمول أن تصل اليها. خطة التجهيزات الوطنية تقوم على تحديد 12 قطاعاً أساسياً، منها النقل والطبابة وكلّ القطاعات الأخرى، حيث تمّت دراسة حجم التوظيفات المطلوبة فيها، وسبل العمل من أجل توسيعها. عند الحديث عن خطّة النقل مثلاً، جرى البحث في حاجة البلاد الى قطار، وإذا كان يحتاج قطاراً، فمن أن ينطلق وأين ينتهي، وهل يحتاج البلد نقلاً عمومياً أم لا، وكلفة كلّ هذه العناصر على الاقتصاد الوطني. يهذا المعنى، لدينا خطط موجودة !".

لبنان يملك المال لتنفيذ أي خطة يريد
وفي ظلّ التسريبات المتكاثرة عن أنّ موقف لبنان سيكون أقوى في مؤتمر باريس 4، وأن الاستعانة بـ"ماكينزي" هو في الواقع استعانة باسم عالمي لتلميع صورة لبنان امام المجتمع الدولي ولنقول اننا على دراية بالمشاكل التي نعاني منها ونحتاج الى مساعدتكم، ترى المصادر أنّه "صحيح أننا في حاجة الى ختم أجنبي في حال كنّا نطلب مالاً، ولكن الواقع أنّ لدينا موارد مالية كثيرة تسمح لنا بأن نطبّق أي خطة اقتصادية. نحن اليوم، رغم كلّ المشاكل التي تعيشها البلاد، لدينا كتلة مالية أكبر من الحجم الذي قد نحتاجه لتنفيذ أي رؤية اقتصادية واضحة المعالم. إذاً، طالما ثمّة مالاً يسمح لنا بوضع الخطط وتطبيقها، فما حاجتنا الى شركة أجنبية تعطينا "دبغة" تسمح لنا بتوسّل المال ؟".
تنقل المصادر عينها عن أحد المسؤولين أنّه حتى لو قامت الشركة بوضع رؤيتها، فإنها ستوضع أمام اقتصاديين لبنانيين لبحثها ودرس جدواها. هنا، من المفيد السؤال: لماذا لا يقوم المجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي شكّل من فترة بسيطة هو بوضع الخطة بمشاركة اقتصاديين وخبراء لبنانيين ؟

هل شاركت ماكينزي في الحرب السعودية علي لبنان ؟
الى ذلك، يمكن الحديث أنّه خلال الحرب الاقتصادية السعودية القائمة على البلاد منذ عامين تحديداً، سواء كانت معلنة أم غير معلنة، لعلّ أكثر شركة وزّعت معلومات مغلوطة عن لبنان، ووضعت أرقاماً ومؤشرات، وعملت في أكثر من سوق مالي على إعطاء صورة خاطئة عن الاقتصاد اللبناني، هي شركة على علاقة بماكينزي. بالإضافة الى ما سبق، فمنذ احتجاز الرئيس سعد الحريري في الرياض، أعادت هذه الشركة المقرّبة بماكينزي الكرّة، وبثّت معلومات مغلوطة عن لبنان في الأسواق مرّة أخرى، حيث تراسلت مع شركات التصنيف وأعطتها معطيات خاطئة عن صادراتنا !

اليوم، بات لماكينزي، بحسب المعلومات، شهرين وهي تعمل في بيروت من خلال فريق من أربع أشخاص يدرس بعض الخطط السابقة ويعمل على وضع نواة رؤية اقتصادية جديدة. وفي ظلّ إصرار بعض المتحمّسين على تكليف الشركة وضع رؤية اقتصادية "حديثة" للبنان، ربما بات الاستنتاج الأوضح أنّه بقرار الحكومة هذا، يستقيل مجلس الوزراء من دوره الطبيعي كسلطة تنفيذية مهمتها إدارة شؤون البلاد، مسلّماً قدر اللبنانيين الى شركة أميركية، في وقت تحاول الولايات المتحدة أن تفرض علينا عقوبات اقتصادية ! جدير بالذكر في هذا السياق، ما قاله ديفيد باتر المحلل الاقتصادي في معهد "تشاثام هاوس" البريطاني في حديث لوكالة "بلومبرغ"، "أنّ ماكينزي ستعمل على تحليل وتحديد حجم الخدمات والتدفقات المالية بالاضافة الى الاقتصادات الموازية في لبنان، أي تلك التي يسيطر عليها حزب الله المدعوم إيرانياً، والتي يصعب تحديد حجمها".
الدولة اللبنانية اليوم تتجاهل بشكل فاضح أصحاب الخبرات والاقتصاديين اللبنانيين القادرين والراغبين طبعاً، عبر الإتيان بشركة أجنبية عليها علامات استفهام كثيرة، في وقت يتباكى المتحمّسون لتكليفها على "هجرة الأدمغة" اللبنانية من البلاد.
عود على بدء، الرؤية الاقتصادية لأي دولة، تقع في صميم سيادتها. ومن يتنازل عنها لشركة خاصة أجنبية، فهو يتنازل عن قراره السيادي بشكل تام. يبقى الرهان هنا على حكمة رئيس بنى حياته السياسية على التمسّك بالسيادة والقرار الوطني، وبعض الأطراف السياسية التي ترفض الرمي بلبنان في أحضان أميركية.

 

كادر
أبرز إخفاقات ماكينزي
تعتبر شركة ماكينزي واحدة من أفضل الشركات الاستشارية حول العالم. ولعلّ قائمة عملاء الشركة المثيرة للإعجاب، كشركة AT&T وشركة أميركان اكسبرس وجنرال موتورز، بالإضافة لعديد الحكومات حول العالم، توضح صعوبة التقليل من مدى تأثير الشركة.
على الرغم من ذلك، حازت ماكينزي على حصتها من الصعوبات والمشاكل والمشورات الخاطئة، التي سوف نذكر أبرزها:
- على الرغم من استحالة التنبّؤ بالمستقبل، كانت الاستشارة التي حصلت عليها شركة AT&T من ماكينزي، التي اعتبرت أنّ سوق الهواتف الخليوية في العام 2000 سيكون سوقاً ضيقاً بعدد مشتركين لا يفوق الـ 900.000 ألف مشترك، كارثية، حيث بلغ حجم المشتركين 109 مليون مشترك تقريباً !
- في التسعينيات من القرن الماضي، نصحت شركة ماكينزي الخطوط الجوية السويسرية باعتماد "استراتيجية الصياد". برنامج التوسع الكبير فشل بشكل ذريع، ما اضطر الشركة الى إعلان إفلاسها في العام 2001. ومن بين العملاء البارزين الآخرين الذين أشهروا إفلاسهم بعد استشارتهم ماكينزي، سلسلة KMARTوعملاق صناعة السيارات جنرال موتورز.
- بعد أن خسرت جنرال الكتريك مليار دولار قبالة الأزمة المالية عام 2007، أعلن رئيس الشركة التنفيذي جيف إميلت أنّ الشركة كانت تعتمد على مشورة ماكينزي.
- أعطت شركة ماكينزي الضوء الأخضر للمضي قدماً في عملية الدمج بين تايم وورنر و AOL والتي بلغت 350 مليار دولار. اليوم، ينظر إلى العملية باعتبارها واحدة من أسوأ الكوارث التجارية عبر التاريخ.
- أعطت ماكينزي مشورتها لمعظم مصارف وال ستريت في العقد الماضي الذي شهد ازدهاراً ائتمانياً غير مسبوق. وقد قام موظفو الشركة بالعمل بنشاط على نشر مفهوم تأمين أصول الرهن العقاري، وهي الممارسة التي سممت النظام المالي العالمي وعجلت الانهيار الائتماني الذي حصل عام 2008.
- ولعلّ أكبر وصمة عار تلاحق ماكينزي هي علاقتها الوثيقة بشركة إنرون. كانت ماكينزي فعلياً ساهمت ببناء إنرون، التي كانت أكبر عميل لديها لمدة 15 عام. ولعلّ حقيقة أن الرئيس التنفيذي لشركة إنرون جيف سكيلينغ، كان من خريجي ماكينزي طرحت العديد من الأسئلة حول دور الشركة في إفلاس إنرون.