سياسات بلا بوصلة ... والمواطن يدفع الثمن مجددا

في كل مرة تعلن فيها الحكومة اللبنانية عن "قرارات اصلاحية او قرارات مالية استثنائية"، ينتاب اللبناني شعور بال Déja Vu اي سبق الرؤية. كأننا عالقون في كبسولة زمنية تعيد انتاج القرارات والاخطاء نفسها باسماء ووجوه مختلفة. ندور في حلقة مفرغة تتبدل فيها العناوين وتبقى الادوات نفسها .عبارة نيتشه عن "التكرار الابدي" تبدو اقرب الى توصيف الحالة اللبنانية منها الى فلسفة وجودية.

عندما قرأت قرارات رفع الضريبة على القيمة المضافة ورفع أسعار المحروقات لتمويل زيادة رواتب القطاع العام (ست رواتب إضافية موزعة على سنة)، عاد إلى ذهني كتاب الدكتور إلياس سابا " ماذا فعلتم بالاقتصاد اللبناني " فالمنهج نفسه يتكرر: الوضع الاقتصادي اللبناني يتجه نحو أزمة والدولة تكتفي بمعالجة آنية للضغوط من دون رؤية اقتصادية شاملة، ومن دون إصلاح بنيوي يعالج جذور الاختلال... واليوم

يعيد هذان القراران الى الواجهة سؤالاا اساسياا: هل نعالج الازمة فعلاا ام نعيد توزيع كلفتها؟

 

قرار رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% الى 12% قد يبدو رقمياا زيادة محدودة، لكنه يستحق قراءة دقيقة. إذا اشترى مواطن سلعة سعرها قبل الضريبة 100 دولار، كان يدفع 11 دولاراا كضريبة، أي يصبح السعر النهائي 111 دولاراا. بعد الزيادة، سيدفع 12 دولاراا، أي يصبح السعر 112 دولاراا. الفرق الظاهر هو دولار واحد فقط على كل 100 دولار، أي أقل من 1% على السعر النهائي أي أن عبء الضريبة زاد بمقدار 1 من أصل 11 أي نحو 9% (لأن 1 ÷ 11 ≈ 9%). لذلك نقول إن معدل الضريبة ارتفع بنسبة تقارب 9% على قيمة

الضريبة السابقة، حتى لو انعكس ذلك بزيادة تقارب 0.9% على السعر النهائي للسلعة.

لكن ماذا يعني ذلك عمليا؟ لنفترض أن أسرة تنفق 1,000 دولار شهرياا قبل الضريبة على سلع وخدمات خاضعة بالكامل للTVA، فعند نسبة 11%، كانت تدفع 110 دولارات كضريبة، فيصبح مجموع الفاتورة 1,110 دولارات. بعد رفع الضريبة إلى 12%، تصبح الضريبة 120 دولاراا، ويصبح المجموع 1,120 دولاراا. أي أن الكلفة الإضافية تبلغ 10 دولارات شهرياا على مستوى الاستهلاك نفسه، و120 دولاراا سنوياا. قد يبدو مبلغ 10 دولارات شهرياا محدوداا عند قراءته منفرداا، لكنه يصبح ملموساا في اقتصاد تراجعت فيه الأجور الحقيقية بشكل حاد. والأهم أن هذه الضريبة لا تم ّيز بين من يتقاضى 1,000 دولار شهرياا ومن يتقاضى 10,000 دولارات. بل إن الأسر ذات الدخل

المحدود تنفق نسبة أكبر من دخلها على الاستهلاك، ما يجعل العبء عليها أثقل.

وأكثر من ذلك، رئيس الحكومة ووزير المالية حاولا تبرير هذه الإجراءات أمام الشارع الغاضب، مؤكدين أن رفع الضريبة على القيمة المضافة "هي ضريبة على الأغنياء... 1% فقط"، وأن الهدف من الإجراءات هو تحسين الجباية الجمركية والقدرة على تمويل الرواتب! كما اشادوا بانهم الغوا الزيادات على المازوت...

هذه التبريرات الحكومية هي بعيدة عن الواقع التوزيعي للضرائب غير المباشرة التي لا تم ّيز طبقات الدخل، بل تصيب الجميع بقدر ما ينفقونه، وبالتالي تكون أثقل نسبياا على ذوي الدخل الأقل. ولا يشفع في ذلك أن بعض السلع الأساسية معفاة، لأن ذلك لا يغ ّير النمط العام للاستهلاك الذي يضطر المواطنون إلى شراء العديد من السلع غير المعفاة.

اما قرار رفع سعر صفيحة البنزين 300 الف ليرة (بحسب المستويات الحالية) اي بزيادة تقارب 25% مقارنة ببعض مستويات التسعير السابقة، فهو أكثر حساسية من الناحية التضخمية. فالمحروقات ليست سلعة استهلاكية عادية، بل هي مدخل إنتاج أساسي .وبالتالي فإن ارتفاعها ينعكس على: كلفة النقل والتعرفة، أسعار السلع الغذائية، كلفة الإنتاج الصناعي والزراعي، وفاتورة المولدات والطاقة. وهذا يعني

ان المواطن لا يواجه زيادة مباشرة في فاتورة البنزين فحسب، بل موجة تضخمية إضافية تمتد إلى مجمل سلة استهلاكه اليومية.

المشكلة الجوهرية هنا هي ليست في دعم رواتب القطاع العام بحد ذاته، بل في آلية التمويل فالدولة تم ّول هذه الزيادات من جيوب الجميع بدلا" من ان تطلق اصلاح ضريبي فعلي يقوم على مكافحة للتهرب الضريبي والانتقال نحو ضرائب تصاعدية على الأرباح والريوع العقارية. ما نشهده قد يكون هدف ضمني لتجنب اي ضغط اضافي على سعر الصرف او اللجوء الى انفاق نقدي مباشر لكنه بالتأكيد غياب واضح لاي

رؤية مالية متكاملة قد تنهض بالبلاد.

في النهاية، لا تكمن المشكلة في قرارات منفردة، بل في النهج. حين تتحول السياسة الاقتصادية إلى سلسلة إجراءات قصيرة الأمد وحلول مؤقتة يكون فيها المواطن الممول الرئيسي والدائم لكل تسوية، سواء تعلقت هذه القرارات بالضرائب او بملفات سابقة كأزمة الودائع وتكون الاصلاحات البنيوية دائما غائبة.