بين ضباب الذكريات والنضال، تمتد خيوط المصير التي رُبطت بحزم بيننا. سمعتُ عنه قبل أن أرَ وجهه. سمعتُ عن جرأته التي تشقُّ الظلام، وعن وعيه الثاقب الذي يقرأ المعركة قبل بدئها، وعن اليد التي لا ترتعش عند لحظة الزناد. وعن انضباطه الحديدي الذي لا يُخترق. كانت أخباره تردنا، نسمع عنها، خاصة عن دوره البطولي في مواجهات عام ١٩٧٥. حيث انصبّ نضاله على جبهتين: الدفاع عن بيروت وهويتها الوطنية، والوقوف إلى جانب المقاومة الفلسطينية في مواجهة الهجمة الشرسة التي استهدفتها.
حتى جاء اليوم الذي تقاطعت فيه مساراتنا، دون ميعاد، في بيروت ذاتها، قبل الاجتياح بقليل، في أواخر عام ١٩٨١.
كان اللقاء يجمع عدداً من الرفاق في قاعة كبيرة لمبنى تحوَّل إلى مركز قيادة. كان الهواء ثقيلاً بدخان السجائر ورائحة زيوت السلاح والورق القديم والتراب. على طاولة خشبية كبيرة، انتشرت خرائط عليها علاماتٌ حمراء وزرقاء. وكان هو هناك، جالساً في الزاوية، كطيف هادئ، يصغي بتركيز مطلق.
مازن. طويل القامة، نحيلٌ، وسيم بجمالٍ هادئٍ. كنتَ تسمع الروايات فتتخيل جسداً ضخماً، صوتاً مجلجلاً، نظرةً حديدية. لكنه كان العكس: صامتاً، متحفظاً، كل حركة فيه محسوبة، كأنه يدخر طاقة الحياة للنضال وحده. لم تفارق سيجارته شفتيه.
غادرت وأنا أحمل سؤالاً: كيف يمكن لهدوء كهذا أن ينتج كل هذه العواصف التي كنا نسمع عنها؟
انتهى اللقاء، ومضى كلٌّ في طريق محفوفٍ بالرصاص. لم نلتقِ. لكن أثناء حصار بيروت، كانت أخباره تصلنا كشظايا من نور في الليل الطويل. كان هو ورفاقه يصنعون الدرع البشري حول الأحياء، حول الشوارع، حول الذاكرة الحية للمدينة. ووصلتنا أنباء المعارك عند مداخل بيروت، حيث واجهوا الدبابات والمجنزرات وأمطروهم بنارٍ جعلت اقتحام العاصمة كابوساً للغزاة. علمتُ كيف أمر رفاقه بالانسحاب استعداداً للمرحلة المقبلة، وكيف أخفى السلاح. وكان آخر من غادر مواقعه، حاملاً مسؤولية الرحلة إلى الظلمة. وأول من يعود، وبعد أيام فقط على دخول العدو العاصمة بيروت، حتى عادت رصاصات مازن ورفاقه لتعلن ميلاد جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، من رحم الدمار نفسه.
لم تكن معاركه تهدأ. كانت الرعد المتواصل. حتى ذلك اليوم الذي ارتجت له بيروت كلها، حين انطلق صوت العدو من مكبرات الصوت يترجى: "يا أهالي بيروت، لا تطلقوا الرصاص، فنحن مغادرون!"
لكن رصاصات مازن ورفاقه لم تتوقف. كانت قد تعلمت لغة جديدة: لم تكن مجرد رصاصات مقاومة، بل كانت رصاص كرامة. رصاص رد اعتبار، تُعلن أن الأرض لن تُسلَّم. كل طلقة كانت فصلاً من ملحمة ملاحقة العدو، حوَّلت الانسحاب إلى هزيمة مذلّة، من بيروت إلى الضاحية إلى الجبل إلى الساحل الجنوبي.
لذلك كان لا بد أن يكون مازن الهدف الأكبر للعدو. حاولوا استهدافه مراراً، وعندما فشلوا، فجّروا بيته بعملائهم.
لحمايته، أُبعد قسراً إلى الشمال، إلى المنفى داخل الوطن.
هناك في الشمال، أواخر عام ١٩٨٣، التقيت مازن مجدداً،
وجدته صدفة، واقفاً على شرفة تطل على المدينة ومينائها. تحدثنا قليلاً. كانت كلماتنا مقتضبة، ككلام الرفاق الذين يفهمون بعضهم بنظرة. لكن الغضب كان يتأجج في عينيه، غضبٌ مكبوت من العدو، ومن هذا الإبعاد، ومن التكفيريين العملاء المعروفين الذين ارتكبوا مجزره بشعة بحق العشرات من الرفاق في مدينة طرابلس ومن هذا البطء القسري الذي فُرض على خطوته.
ثم افترقنا.
انقطعت أخباره، حتى وصلتني الرسالة في عام ١٩٨٦، من الرفيق "أبو ش " كانت مختصرة: "مازن يريد اللقاء. هو يختار الجنوب. يريد أن ينقل إلى هناك. الأمر ملحّ. "
عرفت في الحال. كان يمر بانكسار. ليس في الجسد، بل في الروح. صدمةٌ هائلة – ظلّت تفاصيلها حبيسة صدره كرصاصةٍ لم تُستخرج – هزت ذلك الجبل الظاهر. النضال كان هواؤه، وبدونه كان يختنق. طلب الجنوب لأنه كان النبض، كان المكان الذي تسمع فيه دوي الانفجارات فتشعر أنك لا تزال حياً.
كان اللقاء مختلفاً. لم يكن استقبالاً، بل كان إعادة زرعٍ لجندي في تربته. استقبله رفاق الجنوب بحفاوةٍ صامتة، بعناقٍ يخلع الأضلاع، بنظراتٍ تقرأ في عينيه كل الألم وكل العزم. كانوا يعرفون، لأن كل واحد منهم يحمل جرحاً غير مرئي.
دعوته للجلوس في إحدى مقاهي صيدا القديمة، حيث الحياة العنيدة تصر على الاستمرار. انزوينا في زاوية. حولنا ضجيج الحياة العادية: صليل الأكواب، ضحكاتٌ نادرة، صوت مذياع بعيد. كنا كجزيرتين من صمتٍ ثقيل. جلسنا خلف طاولة خشبية مليئة بندوب السجائر وآثار الأكواب. جلسنا كما يلتقي جنديان من معارك مختلفة، يحاولان تجميع خريطة المعركة من شظايا الذاكرة.
تحدثنا قليلاً، لكن الكلمات كانت تحمل أوزاناً من معنًى لا يُحصى. كنت أراقبه. ثم فجأة، انهار السد. لم يكن يحكي، بل كان يفرغ أحمالاً من الذكريات، من الأوجاع، من الهزائم الصغيرة والانتصارات الشخصية، كمن يُفرغ جيوبه من حصى رحلةٍ طويلة. وكان يدخن، يا إلهي، كيف كان يدخن! كانت السيجارة امتداداً لأصابعه، ناراً صغيرة تلتف حول كلماته. كان الدخان يصعد كبخورٍ في معبد، يلف وجهه المتعب، ويخفي لحظياً الومضات الأليمة التي كانت تعبر في عينيه العميقتين.
لم أقاطعه. كان دوري هو الاستماع فقط. كان الهدف أن يفرغ كل هذا الثقل، ليعود قادراً على حمل السلاح من جديد، حتى لو كان سلاحاً من نوع آخر.
وأخيراً، بعد أن هدأت العاصفة، بعد أن امتلأت المنفضة برماد أفكاره المحترقة، رفع رأسه. نظر إليّ نظرة مباشرة، صافية كالنبع بعد المطر. وسأل:
"حسناً... ما المهمة التي يمكن أن أقوم بها؟ كيف لي أن أساعد؟"
كان السؤال يعكس جوهره: رجل الواجب، حتى في قمة انكشافه. كان يفكر في الخطوة التالية، في الدور، في البذل.
لكن الحقيقة كانت أن مهمتي الرئيسية كانت صحته، كانت روحه. كان يجب أن يشعر بأنه جزء من الكفاح، دون أن يُسحق تحته.
فأجبته: "مهمتك الآن هي الأصعب. مهمتك هي أن تنقل. انقل تجربتك، نار معرفتك، حكمة السقوط والنهوض. هناك جيل جديد، قلوبهم تتوق للنضال، لكن أيديهم تبحث عن السلاح الصحيح. علّمهم. لا كيف يطلقون النار فقط، بل لماذا يطلقونه. اجعل من معاناتك سُلّماً لهم، ومن انتكاستك درساً في القيام."
رأيت كيف استقام ظهره قليلاً. كأني أعطيته بوصلة. نعم، هو جريح، لكنه جرح يمكن أن يضمّد جراح غيره. ثم تحدثنا عن آليات هذا النقل، عن الوجوه الشابة التي قابلتها، عن الصبر كأعلى درجات النضال. وافترقنا بعد أن حددنا موعداً آخر. كان عناق الوداع مختلفاً: أكثر صلابة، أقل يأساً.
كان مازن نحتاً نادراً من حساسيةٍ مفرطة وانضباطٍ حديدي. كساعة يد دقيقة، ولكن بقلب ينبض بقلق العالم.
ومرت أسابيع، وإذ بجرس الباب يدق فجأة. أسرعتُ. "مازن عند الباب."
لم ينتظر الموعد. هذا يعني أن الشيء مهم.
وقف على العتبة، وفي عينيه بريقٌ غائب منذ زمن. لم تكن فرحة عابرة، بل طمأنينة رصينة، كمن وجد بوصلة بعد ضياع.
عانقته. "أهلاً بالرفيق. تفضّل."
دخل. جلسنا. أحضرت القهوة السوداء الثقيلة التي يحبها. شرب رشفة، ثم نظر حوله، كي يتأكد من أننا وحدنا. قال بصوته الهادئ الذي لا يخلو من توتر:
"لديّ خبر جيد."
إنَّ "الخبر الجيد" الذي حمله مازن في جعبته في تلك الليلة لم يكن مجردَ نبأٍ عابر. لقد كان مشروعاً كاملاً نضجَ في صمتِ.
ما هو "الخبر الجيّد" الذي يمكنُ أن يحمله رجلٌ مثله.؟
..........يتبع
الحلقة 6: حكاية رصاصات المقاومة (1) - من أوراق المقاومة
حكاية رصاصات الكرامة (1)
(الحلقة 6)
من أوراق المقاومة - الجدران التي تتذكر
النداء 2026. حقوق المنادى فقط محفوظة.