لماذا أختار هذا المدخل للحديث عمّا يُسمّى «الفجوة المالية»؟
بعد 6 سنوات على انهيار المصارف والعملة، لم تعد الحقائق مُلتبسة كما كانت في البداية. اليوم أصبح بالإمكان اختبار ما إذا كانت السياسات التي اعتُمِدت منذ عام 2019 قد خفّفت وطأة الانهيار أم زادتها، هل المخاطر انخفضت أم تعاظمت؟
يمكن عرض قائمة طويلة بالمؤشّرات والوقائع التي تُؤكّد أنّ الخسائر ازدادت والأكلاف ارتفعت والمخاطر تعاظمت، على الصعد كلّها، ولكن سأكتفي بعرض 3 حقائق تتعلّق حصراً بالحديث الدارج عن «الفجوة المالية».
- انخفضت تغطية الأصول للودائع، أو ما يسمّى الحدّ المضمون للوديعة، من نحو 500 ألف دولار في الفصل الأول من عام 2020، إلى 100 ألف دولار في الفصل الأول من عام 2026، وهذا يعادل خسارة بنسبة 80%.
- في الوقت نفسه، تخلّصت المصارف من 148 مليار دولار من مطلوباتها، وقلّصت ميزانياتها بنسبة 60%، من ضمنها 47 مليار دولار ودائع بالدولار، و54 مليار دولار قروض، أكثرها بالدولار.
- وجرت عملية إنقاذ واسعة للودائع الكبيرة على حساب أصحاب الحقوق الآخرين، فقد تم إقفال 635 حساب مصرفي من الحسابات التي تفوق قيمة كلّ منها 10 ملايين دولار، من 1,029 حساباً في عام 2019 إلى 394 حساباً في 2025، ولم تعد تحتوي سوى على 9.3 مليار دولار، بالمقارنة مع 25.7 مليار دولار في عام 2019، و34.6 مليار دولار (1,355 حساباً) في عام 2017 عشية احتجاز رئيس الحكومة سعد الحريري في السعودية وإجباره على اعلان استقالته. نجحت هذه الفئة من «كبار المودعين» بإنقاذ 25.3 مليار دولار من ودائعها بأشكال مختلفة، فيما تمّ تحميل البقية الخسائر كلّها.
إذا نظرنا إلى مشروع القانون المطروح لمعالجة إفلاس المصارف وخسارة الودائع، يمكن استخلاص عنوانين أساسيين معطوفين على هذه الحقائق الثلاث:
العنوان الأول، أنه لا يعالج الخسائر بل يرحّلها إلى المستقبل ضمن التزامات طويلة الأمد تفوق قدرة الاقتصاد والمجتمع على التحمّل.
العنوان الثاني، أنه يفتح الباب أمام صراعات اجتماعية مرشّحة للتصاعد، لأنه يوزّع الكلفة بطريقة تعيد إنتاج امتيازات الأوليغارشية نفسها التي صنعت الأزمة، ولكن هذه المرة مع إعادة توزيع اجتماعية شبه معدومة، سواء عبر الإنفاق العام والدعم أو عبر التوظيف في القطاع العام، فالدولة المتقشّفة جدّاً ستكون عاجزة عن لعب وظيفتها السابقة في الامتصاص والضبط والتوزيع المتلطّي وراء حقوق الطوائف.
هذا المشروع، مهما جرى تغليفه بعبارات التلطيف، يلخّص حصيلة السنوات الست الماضية، ويجسّد نتائجها:
- لا تفليس للمصارف، ولا مساءلة من أي نوع كان،
- تحويل جزء كبير من الودائع إلى ديون سيادية طويلة الأجل،
- الالتزام بدين كبير على الدولة لمصرف لبنان غير موجود بأي شكل من الأشكال،
- تخصيص جزء كبير من إيرادات الدولة لإعادة رسملة مصرف لبنان وبالتالي المصارف وتعويض أصحاب الودائع،
- التمهيد للتصرّف باحتياطي الذهب، والتفريط بآخر الأصول العامّة القيّمة، علماً أن ثلث هذا الاحتياطي ليس بمتناول اليد أصلاً وموضوع بعهدة الولايات المتّحدة الأميركية.
لذلك، قبل مناقشة تفاصيل أي مشروع قانون، علينا أنّ نسأل: عن أي فجوة يجب أنّ نتحدّث؟
فجوة المصارف أم فجوة الدولة؟
هل الفجوة هي الفرق بين مطلوبات وموجودات الجهاز المصرفي بالعملات الأجنبية فقط، وبالتالي ينحصر الحديث بكيفية التعامل مع خسائر بقيمة 70 مليار دولار تقريباً، وينتهي الأمر؟ هذا ما يجري التركيز عليه منذ انهيار المصارف، وكأنّ الخسائر وقعت هناك فقط، أو كأنّ الانهيار سببه خلل محاسبي يمكن تصحيحه عبر تقنية توزيع الخسائر على الجميع لتعود الأمور إلى طبيعتها.
هل هذه هي الفجوة التي يجدر تخصيص الموارد وتسخير جهد المجتمع لردمها، أم أنّنا أمام فجوة أوسع وأعمق وأكثر خطورة: فجوة في الدولة اللبنانية نفسها، بين حاجات المجتمع وموارد الدولة، وبين ما يُجبى من السكّان وما يُنفق عليهم، وبين خطاب الدولة السيّدة وطبيعتها الأوليغارشية المزعزعة لمفهوم السيادة نفسه؟
الفارق بين الفجوتين كمّي وكيفي، تقني وسياسي، ولكن لنكتفي بهذه المقارنة كي نحدّد منطلقات الحديث:
الفجوة في المصارف تخصّ بضعة عشرات من المصرفيين والدائنين وبضعة آلاف من أصحاب الودائع، أمّا الفجوة في الدولة والمجتمع فهي أكبر وأضخم وأكثر خطورة، تتعلّق بوطأة الخسائر السابقة، والحاجات الراهنة الضخمة، ومخاطر المستقبل الأسود.
الفارق أنّ الفجوة الأولى تخصّ «الأقوياء» والثانية تخصّ «الضعفاء»، والمعادلة المطروحة تنتمي إلى هذه الموجة اليمينية العالمية التي تريد أنّ تحكم الأرض على طريقة فهم الأثينيين في القرن الخامس قبل الميلاد، فالعدالة لا تكون إلّا بين متكافئين في القوّة، وما على الضعفاء إلّا أن يخضعوا ويدفعوا الثمن… هذا يحصل بين الدول وداخل كلّ مجتمع، وهذا ما يحصل عندنا تحديداً، حيث يهيمن خطاب مزدوج: دولة ضعيفة خاضعة كلّياً لشروط القوّة الخارجية، ودولة قوية في الداخل لضبط المجتمع وتطويعه في خدمة الأوليغارشية… ما علينا سوى تخيّل النتيجة، نوعية الدولة التي تُبنى الآن، أو تجري محاولات بنائها.
الفجوة ليست حادثاً طارئاً
جرى جهد حثيث لحصر الانهيار في لبنان في تفسير ضيّق: فساد، سرقة، هرم احتيالي. لا أنكر أهمّية الفساد ولا خطورته، لكن الفساد لا يفسّر وحده انهيار نموذج اقتصادي كامل. ما انهار ليس صندوقاً أسودَ، بل بنية قامت على المصادرة والتجريد والاستحواذ على الدخل والثروة، وعلى عجز خارجي مُزمن وتمويل دائم بالدَّين والتحويلات، واستبدال الإنتاج بالهجرة، والسكّان بالعمالة المهاجرة المتدنية الحقوق والأجور.
منذ عام 2011، بدأ عجز ميزان المدفوعات بالظهور بوضوح. بين عامي 2010 و2019، بلغ متوسط عجز الحساب الجاري أكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي. في عام 2018، عندما كان الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز 50 مليار دولار، كان لبنان يحتاج سنوياً إلى ما بين 10 مليار و12 مليار دولار من العملات الأجنبية لسدّ عجزه عن تمويل استيراده واستهلاكه. هذه لم تكن معجزة. كانت آلية التمويل سابقاً قائمة على 5 قنوات: تحويلات المغتربين، ودائع غير المقيمين، سندات الدين بالدولار، القروض والمساعدات، والتدفّقات غير المنظورة. وعندما كانت هذه الآلية تتضخّم كان الجهاز المصرفي التي يديرها يتصرّف كما لو أنه يمتلك مطبعة الدولار، يصرّف الدولار الحقيقي ويزيد دفترياً المطلوبات بالدولار في الحسابات المصرفية، عبر عمليات التحويل الحرّة من الليرة إلى الدولار من دون ضوابط، وتسديد فوائد سخيّة بالدولار من دون أصول مقابلة سوى الأصول الوهمية التي كان يسجّلها مصرف لبنان في ميزانيته.
هذا ما انهار، وبالتالي، ومهما جرى تقديس الودائع وسمو حقوق أصحابها، فإن معالجة «الفجوة المصرفية»، كما هو مطروح، لا تعدو كونها إعادة توزيع لخسائر تراكمت سابقاً على حساب دخل السكّان الحالي والمستقبلي، في حين أنّ الانهيار الواقع يفرض إعادة إعمار جديدة، ليس على صعيد البنى المادية والمالية المنهارة، أو على صعيد الحرب الإسرائيلية المستمرّة، بل على صعيد البنى الاقتصادية والاجتماعية وهياكل السيطرة والاستغلال والتغيّرات طويلة المدى في المجتمع التي تحدّدها الخيارات السياسية اليوم.
لماذا علينا أنّ ندفع؟
تتردّد اليوم أرقام ضخمة تكاد تفقد معناها من كثرة تكرارها:
70 مليار دولار خسائر مصرفية.
40 مليار دولار دين عام.
11 مليار دولار تقديرات أولية لإعادة الإعمار والتعافي.
50 مليار دولار ديون مخفية على الدولة لمصرف لبنان، بحسب مزاعم حاكم البنك المركزي الذي تفوّق على سلفه في سعيه لتحميل الناس كلفة تعويض أصحاب الثروات لأجيال مقبلة.
إذا جمعنا هذه الأرقام، بالإضافة إلى الالتزامات والمتأخّرات الكثيرة والكبيرة وغير المُعلنة، نصل إلى نتيجة تتراوح بين 150 و250 مليار دولار مستحقّة على اقتصاد لا يتجاوز ناتجه المحلّي الإجمالي 30 مليار - 35 مليار دولار.
بالحساب البسيط، لا يستطيع اقتصاد بهذا الحجم أنّ يتحمّل هذه الأعباء، سواء أخذنا بالرقم الأدنى أو أخذنا بالرقم الأعلى.
وهنا يصبح السؤال سياسياً: لماذا علينا أنّ ندفع؟
وهذا السؤال لا علاقة له بأصحاب الودائع وحقوقهم التي عليهم تحصيلها من المصارف وأصحابها، بل بالحاجة إلى التفلّت من السردية المهيمنة التي تفرض علينا التحدّث عن «الفجوة» من منظار المصارف والودائع، وليس من منظار الاقتصاد والمجتمع.
فهل علينا القبول بأن تتعهّد الدولة بردّ الودائع وإنقاذ المصارف، وفي الوقت نفسه تتعهّد بالتقشّف وحرمان السكّان من أي حماية أو دعم وتكليفهم بضرائب باهظة على استهلاكهم وتخفيض أجورهم الحقيقية؟
هذا هو سؤال «الفجوة» الحقيقي؟ وهذه «الفجوة» التي يقوم عليها الصراع الحالي، وسأكتفي هنا أيضاً بالإشارة إلى مفارقتين في هذا السياق، يجدر التمعّن بهما:
المفارقة الأولى: دولة قوية بلا موازنة؟
يُكثّف اليوم خطاب «الدولة المركزية» التي تحتكر السلاح، وتبسط السيادة، وتمنع التهريب، وتعيد الإعمار، وتعيد الودائع. لكن الأرقام تقول شيئاً مختلفاً.
وفق بيانات صندوق النقد الدولي، ستبلغ نسبة الإنفاق العام في عام 2026 نحو 15.6% من الناتج المحلّي الإجمالي، وهي من أدنى النسب عالمياً. هذا يضع لبنان ضمن قائمة الدول العشر الأقل إنفاقاً في العالم (إذا استثنينا دولاً مثل اليمن والسودان المفكّكتين). أي أن جميع دول العالم تقريباً تنفق أكثر ممّا تنفقه الدولة اللبنانية. وأكثر من ثلثي دول العالم تجبي إيرادات أعلى كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. ولا تتجاوز ضرائب الدخل، باستثناء الأجور، 1% من الناتج المحلي. في حين تتراوح النسبة في معظم الدول بين 5% و15%. فالدولة لا تفرض مساهمة فعلية على الثروة، بل تموّل نفسها عبر الضرائب غير المباشرة التي يتحمّلها أصحاب الدخل المحدود، وتسخّر ذلك لأولوية الأهداف النقدية على حساب حاجات الاقتصاد والناس.
المفارقة الثانية: دولة عاجزة تحقّق فوائض مالية؟
في الوقت نفسه، حقّقت الدولة فائضاً يقارب مليار دولار في العام الماضي. ويحتوي حساب الدولة لدى مصرف لبنان على نحو 9 مليارات دولار. فالحكومة تجبي الضرائب، ثمّ تُعقِّم الأموال في المصرف المركزي بذريعة تثبيت سعر الصرف عند 89,500 ليرة.
يُقال إنّ تثبيت سعر الصرف ضرورة للاستقرار. لكن وفق إدارة الإحصاء المركزي، بلغ متوسط التضخم 45.24% في عام 2024 و14.80% في عام 2025. هذا تضخّم داخلي بالدولار، أي أنّ الأجور الحقيقية، سواء كانت بالليرة أو بالدولار، تتآكل حتّى مع تثبيت سعر الصرف.
يُقال إنّ تصحيح الأجور سيضغط على سعر الصرف. لكن في الوقت نفسه، يُطرح تحميل الدولة عشرات مليارات الدولارات لإنقاذ المصارف وتعويض كبار المودعين.
إذا كانت زيادة الأجور خطراً على الاستقرار، فكيف لا تكون زيادة الدين العام خطراً أكبر؟
دولة العجز
نسمع دائماً عن عجز مالي، وعجز تجاري، وعجز كهرباء، وعجز ضمان اجتماعي، وعجز في ضبط الحدود، وعجز عن ردّ العدوان. لكن الدولة التي تزعم العجز حقّقت فوائض وراكمت ودائع وزادت الجباية.
يبدو هذا العجز انتقائياً، فالدولة عاجزة حين يتعلّق الأمر بإعادة توزيع الثروة لمصلحة العدالة الاجتماعية أو بفرض ضريبة تصاعدية على رأس المال لمصلحة كفاءة الاقتصاد. لكنّها قادرة حين يتعلّق الأمر بحماية مصالح الأوليغارشية وسطوة أصحاب الثروة.
تبدأ السياسة البديلة بالاعتراف بإفلاس الجهاز المصرفي، لا بإنقاذه. بتحميل الخسائر لمن راكم الأرباح، لا بترحيلها إلى المجتمع. بفرض ضريبة استثنائية تصاعدية على الثروة، لا بمزيد من الضرائب غير المباشرة. بإعادة تعريف الفجوة بوصفها فجوة بين الدولة والمجتمع، وبين الإنتاج والاستهلاك، وبين الفقراء والأغنياء، وبين الرابحين والخاسرين، لا فقط بين مطلوبات وموجودات المصارف.
لا يمكن لدولة تدّعي السيادة أنّ تبقى في أسفل العالم إنفاقاً واستثماراً، وفي الوقت نفسه تطلب من مجتمعها أن يتحمّل كلفة إنقاذ رأس المال مرّة جديدة، من دون أي وعدٍ مقابل بغدٍ أفضل أو أقل قلقاً.
نسخة منقّحة لمداخلة ألقيت في ندوة نظّمها الحزب الشيوعي اللبناني في مسرح المدينة في بيروت بتاريخ 10/02/2026، تحت عنوان «نحو سياسة اقتصادية اجتماعية بديلة: إعادة الإعمار. الفجوة المالية. الرواتب والأجور والضمانات»، أدارتها يانا السمراني، وتحدّث فيها كمال حمدان، وغسان ديبة، ومحمد زبيب. تنشر بالتزامن مع موقع صفر.