سقوط الحدود أمام حتمية التحرر
حين تسقط الجغرافيا وتتوحد الخنادق، لا يعود النضال مجرد شأن محلي، بل يصبح امتداداً عضوياً لكل قضايا الحق الإنساني. جيفارا كان يؤمن بأن الثورة لا تعترف بالحدود، وأن مفهوم "الإنسان الجديد" يسقط فوراً إذا ما اختار الحياد أمام المظلوم. ولو قدر له أن يشهد واقعنا اليوم، لما كان ليتردد ثانية واحدة في اعتبار فلسطين هي "فيتنام الجديدة" لعصرنا؛ فقد كان سيرى في غزة الامتداد الأكثر نقاءً وصلابةً لنضاله المبدئي ضد الإمبريالية العالمية. ولم يكن ليقارب القضية باعتبارها نزاعاً دينياً عابراً أو خلافاً حدودياً قابلاً للتسوية، بل بوصفها نموذجاً صارخاً لحركة تحرر وطني تواجه آخر وأعتى أشكال الاستعمار الاستيطاني.
وفي المشهد اللبناني المعقد، تتقاطع ثوابت الرفض مع جغرافيا المواجهة، لتشكل امتداداً طبيعياً لحلقة الدفاع عن المستضعفين في وجه آلة الحرب والعدوان. سيدعم جيفارا خيار الكفاح المسلح ضد إسرائيل باعتباره الحق المشروع والطبيعي لأي شعب يواجه الاحتلال والاستبداد الإقليمي. بالنسبة لرجل كتب "حرب العصابات" ونظر للكفاح المسلح كأداة حتمية لخلخلة موازين القوى الظالمة. فالساحة اللبنانية بالنسبة له ليست مجرد خارطة صراع عابر، بل هي خط دفاع متقدم تتلاحم فيه عقيدة الرفض مع صلابة الميدان في وجه أطماع الهيمنة.
سلاح آخر للاستعمار
لم تعد المعركة محصورة في الميدان العسكري، بل امتدت لتطال عصب الحياة والاقتصاد. جيفارا لم يقاتل الولايات المتحدة كقوة عسكرية فحسب، بل حاربها بوصفها منظومة رأسمالية عالمية متوحشة تنهب مقدرات دول الجنوب. ولو قدر له أن يعيش واقعنا اليوم، لكان نقده أعمق وأشد جذريّة؛ إذ كان سيرى أن الاحتلال الحديث لم يعد بحاجة لدبابات تجوب الشوارع، بل بات يستبدل طلقات الرصاص بديون سيادية خانقة، وبشروط صندوق النقد الدولي، وبشركات عابرة للقارات تحتكر لقمة العيش والدواء. من هذا المنطلق، كان جيفارا ليؤكد أن الثورة اليوم لم تعد محصورة في جبال الثوار، بل تبدأ حتماً من رفض التبعية الاقتصادية وهندسة العجز، التي تجعل قرارنا السيادي مرهوناً بفتات المساعدات وشروط الإملاء الخارجي.
في مأزق البراغماتية
لم تنكسر الحركات التحررية عبر القمع العسكري وحده، بل سقط الكثير منها في اختبار السلطة حين تحولت الثورات من مشاريع تغيير جذري إلى مجرد أدوات لإدارة الأمر الواقع. لو كان جيفارا حياً، لكان نقده الأقسى موجهاً نحو أداء النخب السياسية التي تخلت عن راديكاليتها واغرورقت في مستنقع "البراغماتية" والتسويات الإقليمية والدولية.
فالرجل الذي استقال من مناصب الدولة في كوبا ليرفض التحول إلى موظف في سلطة جامدة، كان سيقف مندهشاً أمام مشهد "السياسة الممكنة" التي تبرر التنازلات تحت شعار الواقعية السياسية. كان سيرى أن الخطر الأكبر على قضايا الأمة لا يأتي فقط من خصومها، بل من أولئك الذين أفرغوا النضال من مضمونه الثوري، وحولوا القضية من فعل تحرر مستمر إلى مجرد ملفات تفاوضية على طاولات المساومات.
تحية للرّفيق
سأبتعد عن التحليلات السياسية في مقالي هذا، فهو رسالة لك من عليائك لأذكرك بين قضية وأخرى ووطن واخر، فلا يهم أين سقطت قطرات دمك الأولى، فأنت لم تعد مجرد اسم في كتب التاريخ، بل تحولت إلى ضميرٍ حي يؤرق راحة الطغاة.
وفي عالم تآكلت فيه المبادئ تحت وطأة الصفقات، يظل صدى "تشي" يهمس في أذن كل حر، وحين نرثي جيفارا، نحن لا نبكي غياب جُسد، بل نستجدد في أنفسنا ذلك السؤال الموجع: هل ما زلنا نملك جرأته لنختار معسكر المظلوم حتى لو كان خاسراً؟