الإهمال و اللّوم: سياسة الدّولة اللّبنانيّة مع أهالي القرى الحدوديّة

بعد ثلاث سنين من بدء الحرب على لبنان, لا بدّ أوّلًا من تصويب التّاريخ الفعليّ لبدءها لتجنّب اللّغط. بدأت الحرب في الثّامن من تشرين الأوّل 2023, تاريخ بديهيّ بالنّسبة لأيٍّ من أبناء الحدود الجنوبيّة.

 

منذ نشأة لبنان وهو يعاني من مشكلة التّاريخ نتيجة مشكلة التّفوّق والتّدنّي. بعض المناطق اللّبنانيّة تحظى باهتمام و دعم كبيرَين, وبعضها الاخر يكاد يُذكر.هذا التّوجه هو نتيجة سياسة انتهجتها الدّولة على مرّ عقود من الزّمن. سياسة التّنمية غير المتوازنة وغير الشّاملة لجميع المناطق اللّبنانيّة. فدائمًا  كانت الحظوة لبيروت و ضواحيها, باعتبارها المركز. وكلّما ابتعدت عن المركز أكثر كلّما قلّ دعم الدّولة لتلك المناطق وإهمالها لها. والثّامن من اوكتوبر من سنة 2023 دليل دامغ على هذا الإهمال.مذ حينها إلى يومنا الحاضر, لم تلتفت الدّولة للمناطق الجنوبيّة النّائية, ولم تُعِرأهلها أيّ أهميّة. هذا ما يفسّر عدم سؤال الدّولة عن أحوال سكّان القرى الحدوديّة حتّى قبل السّؤال عن أرضهم, أي أرضها.

 

ولعلّ أبلغ ما يكشف قِدم إهمال الدولة للجنوب تحقيقٌ نُشر عام 1974 بعنوان "أمّا الدّولة فتسألنا عن هويّاتنا فنفتّش عنها بين الأنقاض فلا نجدها". ينقل التحقيق شهادات أهالي القرى الحدودية عن مواقع العدو المتمركزة قبالتهم وعلى مقربة منهم، وعن اعتداءاته المتكررة، فيما كانت الدولة غائبة عن حمايتهم. ومع ذلك، بقي الأهالي في أرضهم، يواجهون جيش العدو ويقاومون اعتداءاته، حتى بدا أن أهل الجنوب كانوا مطالبين بأن يدافعوا عن أنفسهم في مواجهة العدو، وأن يثبتوا للدولة هوياتهم بين أنقاض بيوتهم.

 

تغيّرت الأنقاض و وجوه الأهالي و السّاسة,لكنّ هذه العلاقة الثّلاثيّة لا زالت على حالها تتراوح بين الإهمال و اللّوم. وشهادات الأهالي في حينها لا تختلف كثيرًاعن شهادات الأحفاد من بعدهم. ففي سنة 2025 ,أي بعد دخول الأهالي إلى قراهم في الثّاني من شباط من ذلك العام,وجدوا العدوّ يحاصرهم من كلّ جانب. على أطراف بلداتهم مواقع إسرائيليّة ومن شرفاتهم وشبابيكهم تطلّ أضواء مراكزهم ليلًا. يسمع الأهالي أصوات تدريبات جيش العدوّ في وضح النّهار و"تمشيطهم" حين يخترق سكون اللّيل. لكنّ ذلك ما منعهم من الحياة, و لا ثناهم عن العيش في أرضهم. بل اختاروا البقاء على الرّغم من ذلك في الأرض الّتي زرعتهم بذورًا و روتهم حتّى صاروا على ما هم عليه الان من الصّلابة و النّمو. هكذا, صار التّشابه واضحًا بين ما عاشه سكّان القرى الحدوديّة سنة 1974 و بين سنة 2026. وغيرها من سنوات معاناة الجنوبيّين الّتي يطول ذكرها.

 

و لتحديد وجه الشّبه أكثر, خلال هذه السّنوات الثّلاث لم يعد اضّطهاد الجنوبيّين الحدوديّين حكرًا على العدوّ بل, صار حالة متنقّلة بين الشّعب و الدّولة. صار المواطن الجنوبيّ مع ما يحمله من خسارات ماديّة و نفسيّة مسؤولًا عن تبرير هذه الخسارات. المواطن العاديّ, الّذي يعيش كسائر اللّبنانيّين, صار مطالبًا بتبرير موقفه الحرج أمام الاخرين. هذا المواطن الّذي كان حتّى الثّامن من اوكتوبر 2023 مواطنًا لبنانيًّا عاديًّا لا أكثر, تشغله همومه و متاعبه. ينتظر موعد "كهرباء الدولة" ولا ينتظر فاتورتها. يشغل باله غلاء المعيشة و الأسعار. يغضب حين يرى حجم قسط مدارس أبنائه ويفرح حين يحصلون على نتائج جيدة. هكذا كان إبن الجنوب, لبنانيًّا لا أكثر, والأهم من ذلك "ولا أقل". أو أنّه حتّى ذلك الحين لم يكن يشعر أنّه لبنانيًّا من درجة ثانية. لبنانيًّا من الحدود, البعيدة عن بيروت. وصار البعضُ يبرّر الإهمال بالحرب وأسباب حدوثها, وكأنّ هدر دم الطّفل الصّغير صار مباحًا لطالما هو ابن هذه الأرض. حتّى و إن اعتبرت قرار الحرب خاطئًا, كيف تعتبر قرار قتل الأبرياء مشروعًا؟ كيف يعتبر الوطن استباحة أولاده مشروعًا؟ هل تنكر الأمّ ولدها لأنّه قرر الدّفاع عن أخيه وكُسرت يده؟

 

مرّ على الثّامن من تشرين الأوّل ثلاث سنين,لا يحسبها الجنوبيّ بالأيّام بل بالالام. بعد ذلك التّاريخ, صارت الحياة بالنسبة إليه عدوًا وصار خلال هذا العدو ملاحق من عدوّ خارجيّ و من دولة و من أحكام عليه. ولم يجد خلال هذا العدو أي يد تمدّ إليه من على الجانبين ليشرب الماء,أو محطًّة قريبة يلتقط فيها أنفاسه قبل أن يعود إلى سباق الغارة و الغارة. صار المواطن الجنوبيّ عدّاءًا ولكن من دون وجهة, من دون مسار واضح أو جائزة في اخر الطّريق.لا بل, طريقه الان مجهولًا وعليه هو أن يدفع ثمن ركضه لا أن يُكافأ عليه.

 

هذه هي الحال اليوم, من النّاقورة حتّى شبعا, مواطنون تركوا أرضهم لكنّها ما تركتهم. لم يبقى لديهم دكانًا أو حيًّا أو بيتًا أو حتّى أرضًا يفترشوها ليناموا. صاروا متروكين لمصيرهم دون أن يُسمح لهم بتقريره. وصارت الغلال تزيد حول أيديهم و الخناق يكبّل أعناقهم.لا سياسة من قبل الدّولة تحفظ لهم كرماتهم كمواطنين, ولا أشقّاء في الوطن يقدّمون إليهم يد العون بدلًا من يد القطيعة. في حين أنّ القطيعة بكلّ اشكالها يجب أن تكون تجاه عدوّ واحد,واضح, هو العدوّ الإسرائيليّ.

 

بعد الثّامن من تشرين الأوّل, إكتشف المواطن الجنوبيّ ما لم يكن يخفى على أحد لكنّ الظروف كانت تغطّيه. إكتشف حجم عدم اكتراث دولته له, إكتشف خذلانها له و لأبنائه من بعده. والأهمّ من ذلك أنّه إكتشف أنّه لم يكن يومًا مواطنًا"عاديًّا" كما اعتقد.

 

بالتّالي, صار محتّمًا على أهالي القرى الحدوديّة رفع صوتهم عاليًا. ذلك ما عبّروا عنه من خلال عدّة وقفات من تنظيم "تجمّع أبناء البلدات الحدوديّة" في عدّة مناطق لبنانيّة. فعلى الرّغم من التّجمعات الخجولة نتيجة الأحوال الماديّة المستعصية, إلّا أن ذلك لم يثني التّجمّع عن التّجمّع بحدّ ذاته و المطالبة بأولويّاتٍ أربع,هي:عودة,أمان,إعمار,دعم. مطالب بسيطة لا تتعدّى الحصول على حياة كريمة للمرء حيث يريد, على أرض وطنه الّتي يحمل جنسيّتها.

تحت شعار "عائد", يصرخ هذا التّجمّع بأقصى ما يستطيعه اليوم لإيصال صوته مبحوحًا للمسؤؤلين و أصحاب القرار. بعد ثلاث سنين من اختبار أهالي القرى الحدوديّة مختلف أنواع العنف و الوحشيّة, هل تصل اليوم هذه المطالب إلى اذان المسؤولين,أم أنّهم سيصمّوا اذانهم عنها كالعادة متبنّين سياسة النّئي ببيروت؟