طروحات من أجل تجاوز "تشافيزي" للأزمة: المبادرة الشعبية والأفق الإشتراكي الديمقراطي *


أوّلاً: المقدّمة
نحن جزءٌ من عملية التعبئة الشعبية المعروفة باسم الثورة البوليفارية، قرّرنا أن نجتمع معاً لتشخيص الحالة ولبناء مقترحات للعمل السياسي، بهدف نقاشها مع المنظّمات الأخرى في المجال الشعبي. نراهن إذاًعلى ديناميكيات الوحدة في التنوع والتضامن والتعبير، التي تزيد من القوة الجماعية للتشافيزية الشعبية اليسارية.
نحن على قناعة بأنّه من الممكن التقدّم في مراكمة السلطة الشعبية وخلق سيناريوهات تجعل البرنامج الديمقراطي للانتقال إلى الاشتراكية قابلاً للتطبيق، كما أنّنا موحّدون في مواجهة العدوان الإمبريالي على الشعب الفنزويلي.
وبما أن أبرز إنجازات الثورة تحقّقت من خلال الدور الطليعي للشعب الفنزولي البوليفاري، نحن نرفض اليوم مصادرة دور هذا الشعب في عملية مواجهة الأزمة المتعدّدة التي تعيشها الدولة.

ثانياً: ما سبب النزاع في فنزويلا؟
على المستوى الدولي:
- تنبيه إلى محاولات ما بعد النيوليبرالية
ظهرت الثورة البوليفارية ومشروع بناء الاشتراكية في فنزويلا كأمل للشعوب. وعلى الرغم من التناقضات والنكسات، شكّلت هذه العملية قطيعةً مع النموذج الرأسمالي، وقدمت "إمكانية البديل". ويمثّل مجرد هذا الإحتمال خطراً على الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، لذلك تسعى الولايات المتحدة إلى ردع الدول الجنوبية بمحاربة الثورة البوليفارية.
- النزاع بين القوى على مواردنا
في نفس الوقت، فإن النزاع هو جزء من الصراع بين القوى العالمية (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين) من أجل السيطرة على مواردنا الطبيعية في سياق الأزمة الحالية للرأسمالية.
على المستوى الوطني:
- السيطرة على الدولة: الصراع الطبقي وتضارب البرامج
ينشأ النزاع بسبب الطبيعة المتناقضة بين أهداف التشافيزية وأهداف المعارضة، إذ تطمح كلتا القوتين للسيطرة على عائدات الدولة والنفط لتعزيز مشاريعهما للبلد ومصالحهما الطبقية.
- الطبيعة غير الديمقراطية للمعارضة
يفسّر الصراع السياسي أيضاً خيانة القطاعات المهيمنة في المعارضة اليمينية، والتي، منذ سنة 2001، تقوم بمحولاتٍ انقلابية بأشكال مختلفة، مدعومةً من الولايات المتحدة الأميركية.
- القيادة السياسية وتغيير المصالح
إن التعايش بين الطبقات المتناقضة داخل القيادة الثورية يمكّن الطبقة المالكة من أن تمارس ضغطاً على الجهاز الحاكم بأكمله، لتبقى العملية التصاعدية للتعبئة الشعبية محدودة. وتتعزّز اتجاهات الإدارة البرجوازية عند ظهور علامات التآكل أو الركود، انطلاقاً من السيطرة على الدولة والاقتصاد، لتشكّل نخباً جديدة، تزيد من الاستغلال.
- إنحراف يميني للبرنامج
كنتيجة لما سبق، يتدنّى الأفق الاستراتيجي لتجذّر الديمقراطية الاشتراكية من خطاب القيادة السياسية، لكنّه وقبل كل شيء يختفي بفعل الممارسات الكبرى للدولة وتوجّهاتها.

ثالثاً: كيف وصلنا إلى هنا؟
بعد وفاة القائد شافيز، كان للأزمات السابقة صداها، بسبب عوامل بنيوية وأخرى ظرفية.
من بين العوامل البنيوية، هناك ما يلي:
- غياب آليات عملية، شرعية وديمقراطية، لقيام الإدارة الجماعية في العمل الحكومي.
- التقدّم غير الكافي في التغلّب على الاقتصاد الريعي وفي تعديل البنية الاقتصادية لزيادة المساحات الانتاجية في أيدي الناس.
- التطبيع مع ممارسات الفساد وظهور جماعات المصالح الاقتصادية تحت حماية الدولة، مقوّضةً ببطء المنطق السياسي التحرري.
من بين العوامل ذات الطبيعة الظرفية، هناك:
- الانخفاض في أكثر من 60 ٪ من عائدات النفط من عام 2014 إلى 2016.
- الجمود والتراخي في السياسة الاقتصادية بين عامي 2012 و 2015.
- تطرّف الأساليب السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والتآمر والانقلاب وتمرّد المعارضة بدعم دولي.
بالإضافة إلى المسؤولية التي تتحمّلها القيادة التشافيزية بسبب أخطائها (التي زادت بعد وفاة شافيز). فمن الواضح أنّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية العميقة التي تمرّ بها البلاد حاليّاً هي نتيجة مباشرة لاستراتيجية الولايات المتحدة الهادفة إلى إسقاط التشافيزية من الحكم. يمنع ما يسمى بـ "العقوبات" الدولة من التقدّم بطلب للحصول على قروض دولية وإعادة هيكلة الديون أو إصدار سندات، كما تمنعها من استخدام النظام المالي الغربي لدفع أو شراء أو بيع أي سلع أو خدمات في الخارج. عدا عن حرمان الدولة من الحصول على الموارد للحفاظ على إنتاج النفط، تُغلق الحسابات الفنزويلية في الخارج وتُسرق الأصول من فنزويلا في الخارج، ومن بينها "سيتجو". إن تأثير هذه التدابير يخلق كارثةً على مستوى الاقتصاد الذي كان قد سبق ودخل في أزمة.
ومع ذلك، فإن العدوان الامبريالي ليس سبباً لعدم مناقشتنا وبشكل نقدي الخيارات المتاحة والتوجه الذي حدّدته القيادة السياسية. على الرغم من أن الانخفاض في إنتاج النفط يُفسَّر، جزئيّاً، من خلال التدابير القسرية الأحادية الجانب التي اتّخذتها الولايات المتحدة، إلا أنّ ما هو صحيح أيضاً أن إدارة شركة إنتاج النفط الفنزويلية (PDVSA) كانت كارثية، مع حالات الفساد وانخفاض الإنتاج (الذي كان اتجاهاً سائداً من قبل عقوبات عام 2017 )، والتي حالت دون زيادة الدخل في الفترة التي تم خلالها استعادة سعر البرميل. وكما هو الحال في القطاعات الأخرى، كان الرهان في تحالفات مؤاتية بشكلٍ متزايد مع المستثمرين من القطاع الخاص، وخيانة رؤية شافيز لصناعة النفط وتجاهل إمكانات العاملين في الشركة.

رابعاً: كيف نقيّم الوضع الحالي؟
نحن في صراع مستمر له تداعيات كارثية على الناس
فشلت المعارضة اليمينية في إسقاط التشافيزية من السلطة، رغم دعم الولايات المتحدة وتطبيق الإجراءات القسرية الجنائية ضد الشعب الفنزويلي. وفي الوقت نفسه، تمكّنت الحكومة من الحفاظ على السيطرة على الدولة وتقديم الدعم لأكثر من 20 ٪ من السكّان، لكنها فشلت في الحكم وفي تطبيق برنامجها، بما يتّفق مع برنامج تشافيز للانتقال الديمقراطي الاشتراكي.
عامل الوقت ليس في مصلحة كلتا القوتين
في حالة المعارضة، هناك شعور متزايد بالإحباط واليأس عند قواعدها بسبب العجز عن تحقيق إنجازات سياسية، مع عدم تمكّنها من كسب ثقة قطاعات كبيرة تشعر بالاستياء من ضيق الحال. من ناحية الحكومة، يزداد الرفض الشعبي لها، نظراً لعدم قدرتها على تحسين واقع الحياة وتفشّي الفساد، وتخلّيها غير المعلن عن برنامج تشافيز.
من الواضح ممّا تقدّم أن الحركة الشعبية لم تعُدْ في مرحلة التقدّم ضد الرأسمالية كما كان الحال في عهد تشافيز، حيث كانت هناك عملية تدريجيّة لمصادرة الشركات وتسليمها للعمّال وتوزيع الأراضي للفلاحين، والتوسّع في التواصل الإقليمي ودمقرطة كل الحياة العامة. على العكس من ذلك، تتميّز اللحظة الراهنة بانحسار الحركة الشعبية في ظلّ تعثّر الثورة. وبالتالي، ولضمان التحالف "الاستراتيجي" مع رأس المال، تمّ إيقاف المصادرة، وتمّت إعادة الأراضي إلى ملّاكي الأراضي، وتم إحباط بناء المجالس المحلية، وتم إغلاق مساحات التعبير الديمقراطي الشعبي.

خامساً: ما الذي نقترحه؟
كما قلنا أعلاه، فإن الهدف من هذه الوثيقة هو المساهمة في الحوار، في المجال الشعبي، للتشافيزية اليسارية. لتلد من هنا مقترحات لخطط العمل تتبنى التناقض والدور الطليعي للقوى الشعبية ضد النخبوية الهرمية، التي رافقت الانحراف اليميني للقيادة. تتعلّق المسألة بإعادة إنتاج قوتّنا العضوية وزيادتها، لمقاومة الهجوم الإمبريالي والتحوّل المحافظ، وللدفع ببرنامج تشافيز للانتقال الديمقراطي نحو الاشتراكية. بهذا المعنى، لا نقدّم هنا أي وصفة، ولكننا نقدّم المداخيل أو المقترحات للبناء عليها في الحوار مع الآخرين.
ويتم تنظيم هذه المقترحات على ثلاثة مستويات:
1- مبادئ توجيهية عامة للعمل:
العودة إلى تشافيز، في طريقة بلورة السياسات من القاعدة الشعبية. ومراكمة القوة، بسبب ضعف التشافيزية اليسارية، من الضروري الانخراط في النضالات الشعبية المتعددة وصياغة التحالفات والتوافقات، وتوطيد الثقة والحوار بين قوى التشافيزية اليسارية.
2. الأعمال الجماعية من القاعدة
مواكبة ودعم نضالات القطاعات الشعبية وتحرّكاتها والدفع باتّجاه تسييسها، ورفض أية محاولة لتجريم الكفاح الشعبي دفاعًا عن الحقوق والأراضي.
3. موجبات ومطالب من الحكومة؛ النقاش والتحليل الدائم
يجب أن نبذل جهوداً لخلق مساحات للنقاش والرصد والتحليل النقدي لسياسات الحكومة. يجب أن يؤدي النقد إلى عمل سياسي (للشكوى أو للمطالبة أو للإقتراح أو للضغط للتأثير أو لإظهار التناقضات بين الاتجاه الحالي ومشروع تشافيز) وليس للإحباط.

في هذا الاتجاه، ستشمل متطلبات الحد الأدنى الآتي:
- وقف عمليات الخصخصة التي تجري (بشكل علني أم لا) في القطاعات الأكثر تنوّعاً، ونشر اتفاقيات التحالف التي يتم إنشاؤها مع شركات القطاع الخاص المحلية أو العالمية.
- نشر المعلومات المتعلّقة بإدارة الدولة، وضمان الشفافية في عمليات نقل الموارد إلى مختلف المؤسسات العامةوإلى المبادرات الشعبية وإلى الشركات الخاصة، كردّأساسي على الفساد الرأسمالي.
- وقف عمليات الانتهاك الهائلة لحقوق العمال، ومن بينها انتهاك العقود الجماعية والحق في أجر لائق.
- نقل الأصول والخدمات إلى مبادرات القوى الشعبية (الإدارات العمالية والمجتمعات الريفية أو الحضرية) التي لديها القدرة على إدارتها.
- بدء عمليات المراجعة والتدقيق العامة والمعلنة للشركات غير المنتجة أو ذات الإنتاجية المنخفضة، بما في ذلك شركة إنتاج النفط الفنزويلية (PDVSA) لتحديد أسباب حالة الإنتاج المتدنية.
- وضع حد للإفلات من العقاب لجرائم أصحاب النفوذ، ومحاكمة ومعاقبة الفاسدين ومواجهة وضرب الممارسات المافيوية داخل الدولة والقطاع الخاص.
- وقف عنف الشرطة ضد القطاعات الشعبية، وهو ما يحدث من خلال عمليات أمنية ضد المواطنين تحت عنوان "مواجهات"، وعادة ما تكون عمليات قمع واعتقال خارج الأطر القانونية، مترافقة مع سوء المعاملة وتهديدات لأفراد الأسرة.
- إيقاف ومراجعة امتيازات استخراج المعادن، مع المشاركة الحاسمة للمجتمعات المعنية مباشرة وضمان دراسات الأثر البيئي.
- إعطاء الأولوية لدعم الزراعة على مستوى الأُسر والتجمعات المحليّة والمنتجين الصغار، تقديم الموارد والأراضي والتكنولوجيا اللازمة، وتعزيز آليات تضامنية للتوزيع والاستهلاك.
* وثيقة صدرت عن عدد من المجموعات والحركات والمنظّمات الشعبية والأحزاب السياسية اليسارية في فنزويلا، في إطار العمل السياسي الشعبي لدعم نمو التشافيزية وتجاوز الأزمة، في 8 تموز/يوليو 2019

 

  • العدد رقم: 362
`


عربي العنداري

عن النداء

 مجلة سياسية تصدر عن الشركة اللبنانية العربية للاعلام ش.م.ل وهي تعتبر صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني وهي صحيفة أسبوعية.

وصدر العدد الأول من جريدة النداء في 21 يناير عام 1959

  

المزيد من التفاصيل