الصين تتحدث عن نفسها او "الممالك الثلاث"

0
0
0
s2smodern

من انقى اللحظات لمعاناً في ذاكرتي الطفولية المدرسية، ذلك اليوم الذي "اكتشفت" فيه انني كلبنانية عربية، اعيش في قارة آسيا! نعم آسيا "ما غيرها" تلك التي تقع فيها..الصين!


بقي السؤال معلقاً في رأسي حتى كبرت، ولكنه اصبح اكثر الحاحاً مع تقدمي في الدراسة: لم اعرف عن فرنسا التي تقع في اوروبا، وهي قارة أخرى غير تلك التي "اقع " فيها، أكثر مما أعرف عن الصين التي "نقع" سوية واياها، مع حفظ الأحجام، فيها؟
لم تكن الإجابة صعبة: المناهج المدرسية، واللغة!
فأما الأولى، فقد كانت وسيلة لاستمرار الاستعمار الغربي للبنان، الذي "كان" بصيغته الحالية الطائفية، صنيعته. مناهج تؤمن ديمومة الاستتباع ولكن بطريقة ناعمة ثقافية، وتجذب المستتبع/المستهلك/اللبناني، الى اسلوب عيش غربي/فرنسي خصوصاً. اي انه سيكون دائماً التابع الذي يتأمل المتبوع، المعلم، السيد، مبهوراً، دون ان يستطيع يوماً، لاسباب مختلفة، ان يكون مثله. فضلاً عن جدوى ذلك.
واما السبب البديهي الثاني فقد كان انقطاع التواصل بيننا لصعوبة لغاتنا، فضلاً عن عدم بذل اي جهد تقريباً من الجانبين للتقارب. فنحن، طلاب المدارس الرسمية، ندرس لغة المستعمر الاقرب، اي الفرنسي، اما الصينيون فلا اعرف شيئاً عن رغبتهم بالتواصل معنا.
لكن كل ذلك لم يمنعنا من استهلاك الصين. فالاقتصاد هو القوة الاقوى للتقارب، حتى لأكاد أجزم انه لو تفحص اليوم اياً منا ما في مطبخه او خزانة ثيابه، فهو لا شك سيعثر على "مايد ان شاينا" مكتوبة على العديد من الاغراض التي يقتنيها، ولو كانت الماركة البارزة غربية شهيرة.
ولاختلاف اللغة، وخلو الفضاء الثقافي القريب المتناول، بقيت معلوماتنا عن الصين ضحلة، يطغى عليها الشائع والعنصري. اما القناة الصينية الناطقة بالعربية فهي غير جذابة برغم جهد العاملين فيها، ربما بسبب جهلهم بنا وهو جهل قد يماثل جهلنا بهم.
حاولت في فترات متباعدة ان اقرأ عن الصين. وجدت بعض الكتب، الروايات خاصة، وهي الشكل المعرفي الابرز الذي يجذبني. كانت ابرز تلك الروايات، رواية "ريح الشرق وريح الغرب" للكاتبة الاميركية بيرل باك. الرواية مكتوبة العام ١٩٣٠، لكنها، وان كانت جميلة السرد، الا انها... أميركية. اي انها كانت تنظر الى الصين بعين غربية، ولو ان السيدة التي سكنت طويلاً في الصين كون والدها كان مبشراً، اظهرت الكثير من الاحترام للصينيين وحضارتهم، الا انها بقيت تنظر من شرفة ثقافتها المتعالية.
وحين اقمت في باريس، وقعت في حب السينما. هكذا اتيح لي ان اتابع العديد من الافلام التي تتحدث عن الصين. كان بعضها موسوماً بالبروباغندا الغربية، التي تحاول اختصار هذه الحضارة العظيمة الى بضع معلومات سلبية، كعادة ربط اقدام الفتيات الصغيرات لحفظها صغيرة تماشياً مع معايير الجمال الصينية (واليابانية) ولو ادى ذلك الي تشويه القدم، وهو تقليد بدائي كان سائداً قبل الثورة الصينية (ولا اظن ان الكعب العالي اقل ضرراً منه بكثير)، او قصص الجيشا، والكلمة تعني باليابانية "الفتاة التي وهبت حياتها للفن"، مع ان الجيشا هي تقليد ياباني وليس صيني، ولكن الامران مختلطين في المخيلة الغربية وبالتالي مخيلتنا الاستهلاكية لمفاهيم الغرب وانتاجه الثقافي، لانه عندما تكون النظرة استشراقية سياحية يتساوي الغرب والعرب فيصبح "كله صابون" كما يقال. وهكذا بقيت على جوعي.
الى ان وقعت بالصدفة منذ سنتين على مسلسل صيني تاريخي كانت تعرضه قناة "ام بي سي أكشن" بعنوان "الممالك الثلاث".
المسلسل الذي صور ببراعة بتقنية السينما، كان يتحدث عن فترة في تاريخ الصين القديم. حين انقسمت البلاد الى ثلاثة ممالك بين العامين ١٦٩-٢٨٠ميلادية. ليو غوانزهونغ اسم كاتب الرواية الاصلية التي تعود الى القرن الرابع عشر، وهي من اوائل الروايات في الادب الصيني!
حين قرأت للمرة الأولى النشرة التسويقية للمسلسل والتي تقول انه حاز جوائز كثيرة، واستلزم ست سنوات لتصويره، وان اكثر من مليار شخص شاهده، ضحكت هازئة. قلت في نفسي لو ان المسلسل عرض على القنوات الصينية الأرضية لكان من شاهده اكثر من ذلك. الكليشيه يضرب من جديد.
ثم تابعته! لكن... يا الهي. ما هذا؟ انه لا يشبه في شيء صيت « مايد ان شاينا ». لا بل انه يقلب مضمون هذا التعبير رأساً على عقب. انتاج ضخم. ماذا اقول عن السيناريو، عن بناء الشخصيات؟ والتمثيل؟ والمهارات القتالية والمعارك الحية التي لم يتدخل الكومبيوتر في تنفيذها؟ والتصوير والديكور (خاصة الديكور) والموسيقى التصويرية؟
كان العمل مبهراً. لقد بني لاجل هذا المسلسل... اسطول من السفن الحربية كما كانت تصنع في القرن الثاني ميلادي! اسطول بكامله من سفن خشبية. هل تتصورون ذلك؟
اما المضمون؟ قلة هي الاعمال الدرامية الحربية التي تتمتع في الوقت نفسه بشاعرية مرهفة وتحتفظ مع ذلك بواقعيتها. كان هذا العمل قادراً على ان يشبع العين والعقل في آن، لا بل الروح ايضاً. الشعر في قمة الجلافة، القسوة في ملمس الحرير. انه الشرق.
اتاح لي "الممالك الثلاث" والذي دبلجت حلقاته بمهارة الى الفصحى، الاطلاع بشكل غير مباشر، على بعض عادات وافكار وطبيعة العقل الصيني: ما يحترمونه وما يحتقرونه، ما يقدرونه وما يستخفون به. ما يحبونه وما يكرهونه. اضافة طبعاً الى جزء بسيط، وان كان اساسياً، من تاريخ تلك البلاد البعيدة والقريبة في آن.
هكذا اثبتت الدراما، حين تكون منفذة بتقنية عالية، وهو ما حصل لمسلسل "الممالك الثلاث"، انها الوعاء الثقافي الأفضل للتواصل بين الشعوب، خصوصاً مع تراجع القراءة، وقلة الأعمال المترجمة عن الصينية. هناك اعمال درامية اخرى تعرضها قناة "سي جي تي ان" الحكومية مدبلجة الي العربية، لكنها من حيث المستوى لا تقاس بالمسلسل المذكور الذي كلف انتاجه ثلاثون مليون دولار.
الا ان احسن ما في مسلسل "الممالك الثلاث" هو انه يحكي تاريخ الصين بلسان الصينيين انفسهم. انها على الاقل رواية الصين عن نفسها. وهي رواية انصحكم بمشاهدتها على يوتيوب، ان اردتم الدخول بشكل صحيح الى حرم واحدة من اهم واقدم واكثر الحضارات تقدماً في تاريخنا الإنساني. ان لم يكن لشيء فلأننا على الأقل موجودين في القارة نفسها.

  • العدد رقم: 334
`


ضحى شمس