واقع النساء وجمالهن

0
0
0
s2smodern

 ترتبط ذاكرتنا ومسابقات الجمال بإسم جورجينا رزق، التي حصدت لقب ملكة جمال الكون عام 1971. لمجرد حصولها على هذا اللقب لم يعد جمالها محط نقاش.

نحن نحتفل بجمال امرأة واحدة، يمكن إعتبار الذكاء معياراً بدوره، لكن لا يوجد نساء بدينات بين المتسابقات. في المقابل المطالبة بإخراج النساء من ضمن هذه المعايير وإعتبار أن الثورة على الشعر الطويل والفساتين مثلاً، هو شكل من أشكال رفض للذكورية، إلا أنه قمع معاكس يضع النساء بقالب جديد للإثبات للمجتمع أنهن غير خاضعات، وهو بدوره خضوع.
المشكلة ليست بالمسابقة بحد ذاتها، بل بأهدافها. في تشرين الأول الماضي، خلال مسابقة جمال البيرو، تقدمت المشتركات وعرضن أرقاماً صادمة حول العنف ضد النساء في بلادهم، عوضاً عن اعلان مقاساتهن. المشتركة رومينا لوزانو التي فازت بالمسابقة قالت أن مقاسها هو 3114 إمراة ضحية الاتجار سجلت عام 2014. كاميلا كانيكابو قالت أن العام الفائت شهد 2202 حالة قتل للنساء في بلادها. كارين كويتو قالت أنها تمثل العاصمة ليما التي شهدت العام الماضي 82 حالة قتل للنساء و156 محاول قتل.
في لبنان تخرج ملكة جمال سابقة لتقول أنها ضد الحرية العاطفية والجنسية لابنتها، فيما هو أمر مبرّر وطبيعي لابنها. تجاهر أنها ضد المساواة بين الجنسين كي لا تصبح رجلاً، تريد أن تبقى جميلة. يحق لها أن تعتد بجمالها، على أن تقتنع بما تراه في المرآة، لا ما يطلبه المجتمع أن يكون مظهرها عليه. فالنظرة العامة المتوارثة تجبر النساء أن يتمتعن بمظهرٍ معين لتصنفن جميلات. وإن كانت إحدى الفتيات تتمتع بنسبة جمال تقبع منذ صغرها تحت ضغط مجتمع يتوقع منها أن تبقى جميلة، وهي بصراعٍ دائم، دون أن تعي، لتثبت للعائلة والأقارب أولاً، ثم المجتمع أنها ستبقى جميلة، وعليه مقبولة إجتماعياً. فيما معايير الجمال تختلف من عصرٍ الى آخر، وبين مجتمعٍ وآخر. إلا أن نساء يبقين مهووسات بالتمتع بهذه المواصفات لتلقى إعجاب الرجال، فيوضعن منذ الصغر في منافسة فيما بينهن، حيث أن الرجل هو من يختار المرأة. هنا تأتي مسابقات الجمال لتثبت إحداهن تفوقها جمالاً على الأخريات.
في البيرو إستثمرت مسابقة الجمال للاضاءة على العنف الذي تعاني منه النساء في البلاد، أما هنا إن إختارت الملكة الجديدة العمل على قضايا النساء، يختصر عملها بالتوعية على سرطان الثدي، والتشجيع على تمكين النساء للوصول الى أهدافهم، وعليه يكمن الخلل في ضعف النساء وليس في النظام بقوانينه وأعرافه ومنظومة قيمه. لكن ما معنى أن تكوني امرأة في لبنان؟ يعني أن تُجبري على التحكّم بعواطفك كي لا تغرمي بأجنبيّ، أو يحكم عليكِ بالعيش وزوجكِ وأطفالكِ في ظلّ قانون لا يقدّم لكِ أبسط حقوقكِ كمواطنة بإعطاء الجنسيّة، خوفًا من ازدياد أعداد طائفة على حساب طائفةٍ أخرى. فالقانون يقول لنا إنّنا مجرّد أرقام في طوائف.
سلطة الطوائف تحمي المغتصب في حال تزوّج ضحيّته. فاسم العائلة هنا أهمّ من حرّيّة المرأة على جسدها، فقيمتها تختصر بما يسمّونه الشرف. كما هذه السلطة تسمح بتزويج القاصرات، من دون الأخذ بعين الاعتبار الخطر الجسديّ والنفسيّ الذي تتعرّض له أولاء الفتيات. أن تكوني امرأة في لبنان يعني أن ترضي بمعاش أدنى من معاش الرجل، وأن تسكتي في حال لم تجدي وظيفة من دون التعهّد بعدم الزواج، كي لا تتكلّف المؤسّسة معاش الأمومة. طبعاً مصلحة الشركة تتطلّب تضحيات منّا. أن تكوني امرأة في لبنان يعني أنّك عرضة للموت في أيّ لحظة نتيجة "فورة غضب" أو تحت غطاء "الشرف". ففي كانون الثاني قتلت ثماني نساء على يد أزواجهنّ، في وقت لم يقرّ حتى اليوم قانون يحمي النساء من العنف الأسريّ.

  • العدد رقم: 332
`


غادة حداد