إلّا أنّ الفكرة أوسع من ذلك، وأعمق من مجرّد خسارة معركة؛ إذ يتمحور الحديث هنا حول قناعة تعيق التقدّم نحو بناء دولة، وفي هذا يكمن أحد أخطر أشكال التآكل الفكري والوطني. حين تتمسّك فئةٌ بما ترى فيه مصدرًا لحمايتها، وتغفل عن جوهر الدولة ومعناها، تُفرغ فكرة قيامها من مضمونها، وتُقصي من تفكيرها إمكانية بناء دولة تحتضن الفئات جميعها، دون أن تمنح إحداها أولوية على حساب الأخرى. فبدلًا من أن تكون الدولة إطارًا جامعًا يحمي الجميع، تصبح الجماعة المرجع الذي تستمدّ منه الفئة شعورها بالأمان، حتى لو جاء ذلك على حساب فكرة الدولة نفسها. بمعنى آخر، لعلّ أخطر ما يمكن أن يهدّد قيام دولة ليس غياب مؤسساتها فحسب، بل غياب اقتناع الشعوب بأهمية بنائها.
ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ مفهوم القيادة أوسع من أن يقتصر على بناء منظومة من العقائد تضع الوطن على الرفّ، في بيئات تعتقد أنّها تحكم، بينما هي تُقاد. وبالتالي، لا بدّ أن تعي الشعوب أنّ التحرّر لا ينتهي باستقلال الأرض، بل يبدأ من الوعي بضرورة الدولة، التي تحمل في طيّاتها مقوّمات التحرّر الاقتصادي والاجتماعي والتلاحم الوطني. فالدولة تقوم في بيئة ناضجة تتعدّد فيها الجماعات، بما يختبر قدرة المجتمع على استيعاب اختلافاته، وجمعها تحت مظلّة فكرة وطنية واحدة. إذًا، ما قيمة تحرير الأرض ما دام الشعب يفتقر إلى القدرة على إدارة هذه الأرض؟
أحيانًا، لا يكون الدفاع عن الفكرة نابعًا من الإيمان بصوابها، بل من الخوف من الاعتراف بأنّ سنوات من التضحيات والانتظار بُنيت على حسابات خاطئة. فكلّما طال الزمن الذي تستثمر فيه الجماعات آمالها وتضحياتها في مشروع معيّن، ازدادت صعوبة مراجعة خياراتها، إذ لا يعود التراجع مجرّد اعتراف بخطأ في التقدير، بل يصبح، في نظرها، تشكيكًا في قيمة ما قدّمته، وفي المعاني التي منحتها لتجربتها. وهنا، قد يتحوّل التمسّك بالفكرة من موقف يستند إلى قناعة إلى محاولة لتبرير الماضي، حتى لو كانت نتائجه تناقض الوعود التي انطلق منها. ولعلّ أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب ليس أن تخطئ في خياراتها، بل أن تصبح عاجزة عن الاعتراف بأخطائها، فتُعيد إنتاجها تحت مسمّيات جديدة، وتتعامل مع مراجعتها بوصفها هزيمة، لا فرصة لفهم الواقع وتغييره. فهل يكون الوهم في ما تصدّقه الشعوب، أم في حاجتها المستمرّة إلى تصديقه، حتى حين تبدأ الوقائع بتكذيبه؟