من التضامن إلى الضغط: دروس من الحراك الفلسطيني في بناء سردية لبنانية جامعة

في العواصم الأوروبية والأمريكية، لم يعد مشهد الأعلام الفلسطينية المرفوعة في المظاهرات مشهداً هامشياً، بل تحوّل على مدى سنوات إلى ظاهرة سياسية ورمزية ذات وزن، تتجاوز عدد الفلسطينيين أنفسهم، وتشمل جاليات عربية وأجنبية ومواطنين من بلدان مختلفة. وهذا الحضور ليس مجرد تعبير عن تعاطف إنساني، بل حصيلة تراكم طويل من العمل على بناء سردية حقوقية متماسكة، قادرة على مخاطبة الرأي العام العالمي بلغة يفهمها: الاحتلال، النكبة، حق العودة، الأبارتايد، القانون الدولي، حقوق الإنسان.

في المقابل، ورغم أن الجالية اللبنانية في الخارج من أكبر الجاليات العربية وأقدمها وجوداً، ورغم امتلاكها إرثاً سياسياً وثقافياً ويسارياً عابراً للحدود، ورغم وجود منظمات حزبية لبنانية في كثير من هذه البلدان، فإن القضية اللبنانية لم تنجح في فرض حضورها في الشارع الغربي بالكثافة والتأثير نفسيهما. والسؤال المطروح هنا ليس عن سبب غياب التضامن مع لبنان، لأن التضامن موجود، بل عن سبب عجز هذا التضامن عن التحول إلى قوة ضغط سياسية مستدامة. وهو سؤال نطرحه من موقع التضامن الكامل مع القضية الفلسطينية، لا من موقع المقارنة أو المنافسة، لأن تصاعد القضية الفلسطينية هو مكسب لكل قوى التحرر، ومنه نستلهم الدروس.

تكمن المفارقة في أن الفارق ليس في العدد ولا في قِدَم الهجرة ولا في حجم الجالية، بل في طبيعة السردية وبنية الحراك. فالقضية الفلسطينية فرضت حضورها لأنها قُدّمت بوصفها قضية حقوقية جامعة، لها عنوان واضح ومطالب محددة، ويمكن لأي مواطن أوروبي أو أمريكي تبنيها دون الدخول في تعقيدات داخلية أو صراعات فصائلية.

أما القضية اللبنانية، فرغم عدالتها، غالباً ما تُطرح في الغرب عبر عناوين متناقضة ومتشابكة: مرة بوصفها قضية مقاومة، ومرة بوصفها أزمة حزب سياسي بعينه، ومرة بوصفها ملف لاجئين، ومرة بوصفها انهياراً مصرفياً، ومرة بوصفها صراعاً طائفياً، ومرة بوصفها ساحة صراع إقليمي. هذا التشتت لا يخلق تضامناً واسعاً، بل يخلق التباساً، والالتباس عدوّ الضغط السياسي.

السبب الأعمق هو أن الجاليات اللبنانية في الخارج، بدلاً من أن تتحدى النموذج الطائفي، غالباً ما تعيد إنتاجه. فبدلاً من بناء هوية اغترابية لبنانية جامعة، تُستنسخ الانقسامات الداخلية في شكل جمعيات ولوائح وتحركات مرتبطة بأحزاب أو زعامات أو محاور بعينها. وبهذا يتحول أي تجمع لبناني في الشارع الأوروبي أو الأمريكي من ساحة لقضية وطنية إلى ساحة لتصفية حسابات داخلية. وعندما يحمل اللبناني علماً طائفياً أو شعاراً حزبياً ضيقاً، فإنه لا يمثل لبنان في نظر الرأي العام الغربي، بل يمثل طائفته أو حزبه. وهنا يفقد الحراك قدرته على التوسع، لأن العالم يتعاطف مع قضايا الشعوب، لا مع صراعات النخب والطوائف.

ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن التركيبة الاجتماعية للجالية اللبنانية نفسها. فاللبنانيون في المهجر ليسوا كتلة واحدة متجانسة: منهم من هاجر بسبب الحرب الأهلية، ومنهم من هاجر اقتصادياً، ومنهم من اندمج في بلدان الاستقبال وحقق نجاحاً مالياً ومهنياً وأكاديمياً، ومنهم من يحمل جنسيات أجنبية ويخشى على مكانته ومصالحه من الانخراط في حراك سياسي قد يعرضه للاحتكاك مع السلطات. هذه التركيبة تجعل كثيرين غير مستعدين للانخراط في عمل سياسي علني، وتُفضي إلى تفضيل العمل الخيري أو المهني أو الثقافي على العمل الحقوقي والسياسي. وقد لاحظ باحثون متخصصون في شؤون الهجرة اللبنانية أن الجاليات اللبنانية في أوروبا وأمريكا لم تتحدَ النموذج الطائفي، بل نقلته معها وأعادت إنتاجه في شكل جمعيات ولوائح انتخابية وروابط ثقافية تحمل الطابع الطائفي نفسه.


الحراك الفلسطيني في الخارج لم يقتصر على المظاهرات والهتافات، بل بنى شبكات ضغط قانوني ودبلوماسي وأكاديمي، وارتبط بحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، وهي حركة عابرة للقضايا وتمثل أداة ضغط دولية فعالة. كما أن مفهوم النكبة وحق العودة يمنحان القضية بعداً قانونياً وأخلاقياً واضحاً، يجعل من السهل على الجامعات والنقابات والأحزاب والمنظمات الحقوقية تبنيها.

أما الحراك اللبناني، فرغم وجود منظمات يسارية وتقدمية في أوروبا وأمريكا، ومنها منظمات مرتبطة بالحزب الشيوعي اللبناني الذي قدّم تضحيات كبيرة في الدفاع عن فلسطين وعن لبنان وعن قضايا العمال والفلاحين، فإن تأثيره بقي محدوداً. وهنا لا بد من مراجعة نقدية من داخل التجربة اليسارية نفسها، لا من خارجها: فقد أضعف انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 العلاقة التاريخية بين اليسار اللبناني واليسار الغربي، كما أن انشغال اليسار الغربي بقضايا الهوية والمناخ والعدالة الاجتماعية جعل ملف لبنان أقل جاذبية، خصوصاً عندما يُقدّم كملف مرتبط بمحور سياسي معين لا كقضية حقوقية مستقلة. وقد تراجع دور الأحزاب الجماهيرية عموماً، وتحول كثير من الحركات اليسارية إلى منظمات غير حكومية ممولة، تفقد معه القدرة على بناء حركات جماهيرية عابرة للحدود. وفي المقابل، ظل اليسار اللبناني في المهجر أسير حساباته الداخلية وانقساماته التاريخية، ولم ينجح في بناء جبهة موحدة مع نظيره الأوروبي والأمريكي على غرار ما فعلته الحركات التضامنية مع فلسطين التي تجاوزت الانقسامات الأيديولوجية لتتبنى قضية واحدة.


ويضاف إلى ذلك عامل الخوف القانوني والأمني. ففي دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، يشكّل الخوف من الملاحقة أو الترحيل أو إدراج الأسماء في تقارير أمنية عائقاً حقيقياً أمام المشاركة العلنية. وهناك شهادات ميدانية تشير إلى أن لبنانيين امتنعوا عن التظاهر أو عن التصويت في انتخابات الجاليات خوفاً من تداعيات قانونية، وهو ما يخلق دوامة صمت تُضعف الحضور اللبناني في الشارع.

لكن هذه العوامل لا يمكن فهمها بمعزل عن سياسات بلدان الاستقبال نفسها. فسياسات فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة تجاه لبنان، وقوائم الإرهاب، وقوانين مكافحة التطرف، وضغوط الدول الخليجية، كلها تشكل بيئة قانونية وسياسية تحدد من يستطيع التظاهر، ومن يُمنع، ومن يُلاحق. وهذه العوامل ليست هامشية، بل تفسر جزءاً كبيراً من الفارق بين الحراك الفلسطيني واللبناني. فالفلسطينيون، رغم ما يتعرضون له من قيود، نجحوا في بناء تحالفات مع منظمات حقوقية ونقابات وجامعات تمنحهم غطاءً قانونياً وسياسياً. أما اللبنانيون، فغالباً ما يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع السلطات دون وسطاء أو حلفاء، وهو ما يزيد من هشاشة حضورهم.

 

وهناك فرق جوهري آخر: الفرق في الوضع القانوني الدولي. الفلسطينيون يحملون قضية بلا دولة، لها صفة لاجئين، وقرارات أممية، ووكالة دولية، ومفهوم احتلال واضح. أما اللبنانيون فهم مواطنون في دولة معترف بها، لكنها منهارة، وقضيتهم مختلطة بين عدوان خارجي وأزمة داخلية وفساد ونظام طائفي. هذا الاختلاف يجعل من الصعب على الرأي العام الغربي تبني قضية لبنان كقضية حقوقية واحدة. ففي الحالة الفلسطينية، العدو واضح: الاحتلال الإسرائيلي. أما في الحالة اللبنانية، فاللاجئ أو المتضامن في الغرب يسأل: من المسؤول؟ إسرائيل؟ الطبقة السياسية؟ النظام الطائفي؟ الفساد؟ هذا الالتباس في تحديد المسؤولية يشتت التضامن، ويجعل من الصعب صياغة مطلب واضح يمكن حملة عالمية أن تتبناه. بل إن بعض القوى الدولية لا تريد قضية لبنانية موحدة لأنها قد تزعج حلفاءها، وبعض القوى الإقليمية تفضّل إبقاء الجالية اللبنانية مقسمة، لأن لبنان ساحة صراع إقليمي ودولي.

ولا يمكن إغفال دور الإعلام في هذه المعادلة. الفلسطينيون بنوا خطاباً إعلامياً بالإنجليزية والفرنسية، ومنصات رقمية، ومراكز أبحاث، وروايات ثقافية، وقصصاً إنسانية تصل إلى الرأي العام العالمي بلغة مؤثرة. اللبنانيون، يعانون من إعلام طائفي وحزبي، ولا يوجد إعلام لبناني اغترابي موحد يخاطب الرأي العام العالمي بلغة حقوقية. فبعد انفجار مرفأ بيروت، مثلاً، اهتز الرأي العام العالمي لبضعة أسابيع، ثم عاد لبنان إلى الظل. في المقابل، تظل القضية الفلسطينية حاضرة في الإعلام الغربي بشكل شبه دائم، بفضل تراكم العمل الإعلامي والثقافي والأكاديمي.

لكن المشكلة لا تقتصر على غياب الإرادة أو غياب الإعلام، بل تمتد إلى غياب المؤسساتية. فالحراك الفلسطيني بنى لجاناً شعبية، وشبكات قانونية، ومنظمات طلابية، ومراكز أبحاث، وهيئات دائمة تستمر حتى عندما يخفت الحدث الآني. أما الحراك اللبناني فغالباً ما يكون موسمياً، ينشط مع الأزمات الكبرى ثم ينطفئ، وكل جهد يبدأ من الصفر في المرة التالية. وغياب هيئة تنسيقية دائمة للجاليات اللبنانية في أوروبا وأمريكا يعني أن التضامن لا يتراكم، وأن الضغط لا يتصاعد، وأن القضية تبقى رهينة اللحظة.

هنا يبرز سؤال محوري: ماذا نريد من المجتمع الدولي الشعبي؟ وقف العدوان الإسرائيلي؟ فرض عقوبات على المسؤولين عن الفساد؟ دعم اللاجئين؟ إصلاح النظام السياسي؟ حماية السيادة اللبنانية؟ هذه مطالب متضاربة إن بقيت مفتوحة، وبعضها لا يمكن أن يجتمع في مظاهرة واحدة. الفلسطينيون نجحوا لأن مطالبهم الأساسية واضحة ومتفق عليها نسبياً. اللبنانيون لم ينجحوا لأنهم لم يتفقوا بعد على ماذا يريدون من العالم.

من هنا، يمكن صياغة ميثاق مطالب واضح وقابل للتبني من أي متضامن غربي، ومن أي برلماني أوروبي دون أن يخسر شيئاً:

أولاً: وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان واحترام السيادة اللبنانية ووقف خرق اتفاقية هدنة 1949.

ثانياً: ملاحقة جرائم الحرب الإسرائيلية أمام المحاكم الأوروبية عبر مبدأ الولاية القضائية العالمية، ودعم مسارات المحكمة الجنائية الدولية حيث يتيح النظام الأساسي ذلك.

ثالثاً: ربط قضايا المهجر بقضايا الداخل: إصلاح النظام الطائفي، ومحاسبة الفاسدين، واستعادة أموال المودعين.

رابعاً: تمثيل عادل للمغتربين اللبنانيين، بما يتناسب مع حجمهم ودورهم في الاقتصاد الوطني.

خامساً: بناء شبكة لبنانية عالمية للضغط القانوني والدبلوماسي، غير حزبية، تضم خبراء قانونيين وأكاديميين وناشطين.

الخروج من هذه الحالة لا يبدأ بمطالبة العالم بالتضامن، بل بإعادة تأسيس طريقة تقديم القضية اللبنانية إلى العالم. المطلوب أولاً بناء سردية حقوقية جامعة، لا تلغي البعد الإنساني ولا تتنكر للعدوان الإسرائيلي الوحشي المتكرر على لبنان، لكنها تؤطره في إطار القانون الدولي: استهداف المدنيين، تدمير البنية التحتية، خرق اتفاقية هدنة 1949، حق اللبنانيين في العيش بأمن وسيادة.

والخطوة الثانية هي بناء شبكة لبنانية عالمية للضغط القانوني والدبلوماسي، على غرار النموذج الأرمني الذي نجح في تحويل قضيته إلى ملف دولي دائم. ويمكن للجاليات اللبنانية أن تستفيد من التقاطع مع حركة المقاطعة العالمية، ومن الحلفاء في حركات العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والمناخ، لأن القضية اللبنانية، عندما تُطرح كقضية قانونية وحقوقية، تصبح جزءاً من نضال عالمي أوسع لا يخص لبنان وحده. ولا يجب أن يُنظر إلى هذا التقاطع كذوبان في قضايا أخرى، بل كتوسيع لقاعدة الحلفاء.

كما أن بناء مؤسسات دائمة، من مراكز أبحاث إلى شبكات طلابية إلى مؤتمرات سنوية وإعلام رقمي مستقل، من شأنه أن ينقل الحراك من الموسمية إلى الاستدامة، ومن الشكوى إلى الفعل. ويجب أن تُبنى هذه المؤسسات على أسس مهنية، لا على الولاءات الحزبية، وأن تُدار بشفافية، وأن تضع لنفسها مؤشرات قياس واضحة: كم دعوى قضائية رُفعت؟ كم برلمانياً تبنى المطلب؟ كم جامعة استضافت ندوة؟ كم منظمة انضمت إلى حملة المقاطعة؟ هذه المؤشرات هي الفرق بين مشروع له أثر ومشروع يبقى في دائرة النوايا الحسنة.

خلاصة

إن القضية اللبنانية ليست أقل عدالة من القضية الفلسطينية، لكن العدالة وحدها لا تحرك العالم. ما يحرك العالم هو السردية القابلة للتبني، والمؤسسات القادرة على الاستمرار، والقيادات التي تتجاوز الطائفية، والمطالب الواضحة التي يمكن حملها. وإذا تمكن اللبنانيون في الخارج من بناء هوية اغترابية جامعة تحمل قضيتهم كقضية حقوقية لا كصراع طائفي، ومن تجاوز الانقسامات التي أضعفتهم لعقود، ومن بناء مؤسسات دائمة بدل الحركات الموسمية، فإن العالم سيجد في القضية اللبنانية ما يستحق التضامن.

الطريق طويل، لكن أول خطوة هي التوقف عن تصدير الانقسام، والبدء في تصدير القضية.